يفتح الفرد هاتفه فيجد قضية تتصدر «الترند»، ويتبنى موقف منها قبل أن يكتمل فهمه لها، ثم ينشر رأي الأغلبية وقد صار رأيه هو، وهذه الظاهرة أقدم من المنصات ذاتها؛ إذ رأى الفيلسوف «رينيه جيرار» (René Girard) أن رغبات الإنسان في جوهرها محاكاة لرغبات غيره، فهو يشتهي الشيء حين يرى الآخرين يشتهونه، ومن هذه المحاكاة تنشأ سلطة الجماعة على الفرد؛ فحين يذوب داخلها يكتسب شعور يدفعه بقوة نحو مواقف كان سيتردد أمامها بمفردة، وهو ما أثبتته تجارب «سولومون آش» (Solomon Asch) مخبريًا؛ فقد ساير المشاركون إجابة الأغلبية الخاطئة في مسألة يدركون صوابها بأعينهم، لأن رغبتهم في موافقة الجماعة غلبت ثقتهم بما يرون. والترند في حقيقته وريث هذه الجماعة القديمة؛ حشد رقمي يتشكل في دقائق ويمارس على الفرد ضغط الجماعة ذاته عبر شاشة هاتفه أينما كان.
فإذا كان «الترند» يعيد تشكيل قناعات الفرد ويوجه قراراته، فالسؤال: هل تخضع الجهات والمؤسسات، بثقلها وأنظمتها ولجانها، للمنطق ذاته؟ وهل يستطيع «ترند» عابر أن يحرك جهاز صمم ليقاوم الحركة؟
كيف تعمل المؤسسات؟
قدم «ماكس فيبر» (Max Weber) البيروقراطية بوصفها جهاز يقوم على التسلسل الهرمي والإجراءات المكتوبة؛ فالقرار فيها يمر عبر لجان ومصادقات وتواقيع تجعله بطيئًا بطبيعته، وهذا البطء ميزة قبل أن يكون عيبًا؛ إذ يُفترض أنه يحمي القرار من الارتجال ويمنحه صفة الدراسة، غير أن هذا الجهاز الثقيل يحمل شيء حساس وهو السمعة؛ فالجهات تستمد شرعيتها من رضا الجمهور، والشركة تستمد بقاءها من ثقة العميل، والسمعة رأس مال يتكون في سنوات ويتبخر في «هاشتاق».
من هذه الزاوية يدخل «الترند» بوصفه استفتاء مفتوح على مدار الساعة؛ استفتاء يفتقر إلى صناديق الاقتراع ويملك مع ذلك قدرة على الحشد تعجز عنها أدوات القياس الرسمية كلها، والمفارقة أن المؤسسة صُممت للبطء في حين صُمم «الترند» للسرعة، فتجد الجهة نفسها أمام خصم يتحرك بإيقاع يسبق اجتماعاتها ويحاصر متحدثها الرسمي قبل أن تكتمل صياغة البيان، وحين يبلغ الضغط ذروته تتراجع الجهة عن قرارها، ثم تغلف التراجع بلغة «الدراسة والتقييم والمراجعة الشاملة»، وكأن «الترند» تفصيل هامشي خارج الحسابات.
«فزعة» العلوم الإنسانية | جامعة الملك سعود
في أبريل من هذا العام أعلنت جامعة الملك سعود إيقاف القبول في عدد من الكليات والتخصصات، وحصرت القبول في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية على تخصصي الإعلام وعلم المعلومات، ليطال القرار أقسام عريقة كاللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، وخلال ساعات ولّد القرار «ترند»، وتحولت المنصات إلى «فزعة» جماعية للعلوم الإنسانية،وربط كتاب ومثقفون بين هذه التخصصات وبين هوية المجتمع وذاكرته، محذرين من أن منطق سوق العمل وحده يصنع كوادر منفذة ويحرم اقتصاد المعرفة من عقوله التحليلية والنقدية.
تحت هذا الحراك أظهرت الجامعة مرونة لافتة؛ فأعلنت عمادة القبول والتسجيل خلال أيام طرح برامج بكالوريوس إضافية في التخصصات العلمية والإنسانية للعام الجامعي المقبل، وتوسيع الخيارات أمام خريجي الثانوية، وهي سرعة نادرة في جهاز صمم للتمهل، إذ قرأت الجامعة «الترند» كما تقرأ البيانات، فوجدت أن كلفة المضي في القرار تفوق كلفة العدول عنه، وخرج قرارها الجديد أقرب إلى الناس منه إلى ملفات لجانها.

«شرطة الترندات»
على الضفة الأخرى ثمة جهات جعلت «الترند» عين رقابية تعمل لصالحها؛ فما إن يتداول الناس مقطع يوثق مخالفة صحية في مطعم حتى تعلن الأمانة إغلاقه خلال ساعات مرفقة صورة الختم الأحمر على بابه، وما إن ينتشر مشهد تجاوز مروري حتى يصدر البيان المعتاد: «تم ضبط قائد المركبة الظاهرة في المقطع المتداول»، وكذلك تفعل وزارة الموارد البشرية مع مقاطع الإساءة في بيئات العمل، حتى صار المقطع المتداول من أسرع قنوات البلاغ.
هذه السرعة تكشف عن علاقة جديدة بين الجهة وجمهورها؛ فالكاميرا التي في جيب كل فرد تحولت إلى امتداد لعين الرقيب، وصار المجتمع شريك في الرقابة يمد الجهات بملايين العيون بأقل كلفة، والجهة من جانبها أدركت أن سرعة الاستجابة للمقطع صارت جزء من صورتها أمام الناس؛ فالجمهور اليوم يقيس كفاءتها بسرعة بيانها قدر ما يقيسها بجودة عملها، وهكذا يتحول «الترند» من خصم يهدد السمعة إلى رافد يغذي القرار ويمنح الجهة حضور يومي في وعي المجتمع.

«الترند» والمشاركة في القرار | هيئة الترفيه
وثمة نموذج ثالث قلب المعادلة كلها؛ فالهيئة العامة للترفيه اختارت «الترند» عوضًا عن أن تخشاه، ويدير رئيسها تركي آل الشيخ حسابه في منصة «إكس» كأنه غرفة عمليات مفتوحة؛ يستقبل المطالب ويرد على الشكاوى ويعلن القرارات ردًا مباشرًا على تغريدات الجمهور، فيطلب المتابعون فعالية فتضاف، ويشتكون من أمر في التنظيم فيعدل، وتتحول المسافة بين المطلب والقرار من أشهر اللجان إلى دقائق المنصة.
وهذا النموذج يمنح الجهة سرعة وقرب يفتقدهما الجهاز التقليدي، ويمنح الجمهور شعور بأن صوته مسموع وأن بصمته حاضرة في التجربة، فيتحول المتابع من متفرج على الفعاليات إلى شريك في صناعتها، ويتحول رضاه من نتيجة يقاس بها نجاح القرار إلى مادة يصنع منها القرار نفسه، «فالترند» تجاوز مرحلة التأثير على القرار من الخارج ليصبح المكان الذي يولد فيه، وصارت غرفة القرار مفتوحة أمام كل من حمل هاتفه وكتب مطلبه.

ختامًا
تشبه الجهات الأفراد أكثر مما يظن كثيرون؛ فكما يستمد الفرد قناعاته من جماعته في تجربة «آش»، تستمد الجهة بوصلتها من جمهورها، وقد صار «الترند» طرف حاضر في صناعة القرار؛ يجلس إلى طاولة الاجتماعات، وترصد له الميزانيات وفرق المتابعة وخطط التواصل.
وهذا الحضور مكسب قبل أن يكون عبئ؛ «الترند» منح الجهات ما عجزت عنه الاستبيانات والتقارير: قراءة حية وصادقة لمزاج الناس لحظة بلحظة، والجهة التي تصغي إليه تقرأ مجتمعها من مصدره الأول. جامعة أعادت تخصصاتها، وأمانة سارعت إلى مقطع، وهيئة فتحت غرفة قرارها للجمهور؛ كلها صور لجهات وضعت الناس في قلب القرار وأدركت أن رضاهم شرط لنجاحه وأن الإصغاء إليهم قوة تحسب لها، والقرار الذي يعدل استجابة لصوت المجتمع يخرج أنضج وأقرب وأبقى.


