بلكونة - الشعار
لماذا ينجح نولان في التسويق لأفلامه؟

لماذا ينجح نولان في التسويق لأفلامه؟

في الوقت الذي أصبح فيه مقطع الثلاثين ثانية عبئًا على صبر المشاهد، وأصبح «التعفن الدماغي» وصف شائع لجيل يقّلب المحتوى قبل أن يكمله، كيف استطاع نولان أن يجعل الملايين يجلسون أمام شاشة واحدة لثلاث ساعات كاملة

لماذا ينجح نولان في التسويق لأفلامه؟

في الوقت الذي أصبح فيه مقطع الثلاثين ثانية عبئًا على صبر المشاهد، وأصبح «التعفن الدماغي» وصف شائع لجيل يقّلب المحتوى قبل أن يكمله، استطاع «كريستوفر نولان» أن يجعل الملايين يجلسون أمام شاشة واحدة لثلاث ساعات كاملة، باختيارهم وبحماس، والمفارقة أنه يقدم أثقل المحتوى في أخف العصور؛ أفلام عن الفيزياء النظرية وميكانيكا الزمن وضمير صانع القنبلة الذرية، ويحولها إلى أحداث جماهيرية تحجز تذاكرها قبل عرضها بأشهر أو سنوات.

هذا النجاح المتكرر يستعصي تفسيره بأنه موهبة إخراجية فقط، فالسينما مليئة بمخرجين موهوبين تمر أفلامهم مرور الكرام، ما يملكه نولان هو منظومة تسويقية متكاملة، تدير رحلة المشاهد من أول شائعة إلى آخر نقاش بعد العرض.

 فكيف انتصر نولان على التعفن الدماغي؟ وكيف ينجح في تسويق أفلامه في كل مرة؟

رحلة المشاهد تبدأ قبل صالة العرض

يقع أغلب مسوقين الأفلام في خطأ اختزال التسويق في مرحلة الإطلاق، فتتركز الميزانيات والجهود في الأسابيع السابقة للعرض، أما في كتاب نولان فالتسويق امتداد لتجربة متكاملة، وصالة العرض محطتها الأخيرة في رحلة تمتد لسنوات؛ تبدأ من تسريب أسماء الطاقم التمثيلي، إلى أول صورة من موقع التصوير، إلى إعلان تشويقي يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب.

وتغذي هذه الرحلة سرية صارمة صارت جزء من أسطورة نولان؛ فالممثل يقرأ السيناريو في غرفة مغلقة تحت رقابة مشددة، والهواتف ممنوعة في موقع التصوير، والتفاصيل تخرج «بالقطارة» وفق حساب دقيق، وثمرة هذه الرحلة الطويلة تظهر في المؤشرات والأرقام، فحين عرضت تذاكر «الأوديسة» للبيع قبل موعد العرض بسنة كاملة، بيعت بالكامل.

النخبوية

يعرف المسوقون أن الندرة من أقوى محفزات الشراء، فالمتاح دائمًا يفقد بريقه، والمحدود يكتسب قيمته من ندرته، وقرار نولان بتصوير أفلامه بكاميرات (IMAX 70mm) تطبيق دقيق لهذا المبدأ، وإن ظهر بمظهر القرار الفني الخالص؛ فصالات الآيماكس نادرة في الأصل، وصالات (70mm) تتوافر في سبع دول فقط حول العالم، وهذه الندرة جعلت من مشاهدة الفيلم بصيغته الأصلية امتياز يحظى به قلة، وخلقت لدى البقية حالة «الخوف من تفويت الفرصة» (Fear of missing out) التي تدفعهم إلى السفر والحجز المبكر والوقوف في طوابير تمتد لساعات.

وما يفعله نولان هنا هو ما تفعله العلامات الفاخرة حين تصدر نسخًا محدودة من منتجاتها؛ بصنع أنواع من المنتج الواحد، فالفيلم ذاته متاح للجميع في الصالات العادية، أما «التجربة الأفضل» فمحصورة لقلة، وبهذا التقسيم يتحول الاستهلاك إلى استهلاك رمزي خالص؛ فالمشاهد الذي يقطع كل هذه المسافات يشتري ما هو أبعد من الفيلم، يشتري انتماءه إلى دائرة الذين شاهدوه «كما ينبغي أن يشاهد»، ويشتري صورة عن نفسه بوصفه متذوقًا للفن.

بلكونة

نولان هو «البراند»

اعتادت هوليوود أن تبيع أفلامها بوجوه نجومها، فالممثل هو الضمانة والاسم الذي يتصدر البوستر، أما اسم المخرج فمعلمومة ثانوية، وجاء نولان ليقلب هذه المعادلة، ويبنى حول اسمه قيمة يدفعها العميل لأجل الاسم ذاته، متجاوز مواصفات المنتج، وبعد مسيرة راكم فيها النجاح، صار يكفي أن يقال إن الفيلم من إخراجه حتى تنفد التذاكر، ولذلك ورغم أن «الأوديسة» يضم نخبة من ألمع الممثلين، جاء البوستر خالي من أسمائهم جميعًا، حامل اسم واحد وهو نولان.

وبناء هذه العلامة قام على أهم أصولها؛ الثبات على الوعد، فالعلامات الكبرى تبنى حين يعرف العميل مقدمًا ما سيحصل عليه، ونولان ظل وفيًا لمبادئ يعرفها جمهوره عن ظهر قلب: التصوير بالشريط السينمائي في زمن الرقمنة، والمؤثرات الحقيقية في زمن الحاسوب، حتى صار تفجير طائرة حقيقية في «تينيت» وإعادة بناء التجربة النووية في «أوبنهايمر» بلا مشاهد مولدة حاسوبيًا، مادة تسويقية تتناقلها العناوين قبل عرض الفيلم بشهور، وهذا «تموضع» (Positioning) في سوق مزدحم؛ فحين تتشابه الأفلام في اعتمادها على الحاسوب، ينفرد هو بخانة «الحقيقي».

بلكونة

الغموض بوصفه محتوى يصنعه الجمهور

تنفق العلامات التجارية اليوم ميزانيات ضخمة سعيًا وراء ما يسمى «المحتوى الذي يصنعه المستخدم» (User-generated content)، لعلمها أن توصية الجمهور للجمهور أصدق في أثرها من أي إعلان مدفوع، وقد وصل نولان إلى هذه الغاية من طريق مختلف تمامًا؛ طريق الغموض المتعمد.

فهو يبني أفلامه على افتراض أن مشاهده ذكي، يقدم القصة ويترك الشرح للمتلقي، ويكتفي بزرع الأسئلة تارك إجاباتها معلقة، لأن متعة الاكتشاف عنده جزء أصيل من التجربة ذاتها، والنتيجة التسويقية لهذا الاحترام أن الفيلم يواصل حياته بعد الصالة؛ فالخذروف «المرصاع» الذي يدور في نهاية فلم «الحلم» (Inception) ما زال يدور في نقاشات الجمهور بعد أكثر من عقد، ومقاطع تحليل «تينيت» (Tenet) ورسومه التوضيحية التي صنعها الجمهور بنفسه تقدر مشاهداتها بمئات الملايين، وكل واحد منها إعلان مجاني يصنعه معجب ويستهلكه معجب محتمل، ويضيف الغموض إلى ذلك مكسب تجاري وهو إعادة الفلم، فالمشاهدة الأولى تفتح الأسئلة والثانية تبحث عن الإجابات، ويتحول العميل الواحد إلى تذكرتين وثلاث يدفع ثمنها وهو ممتن.

التسويق بالقضية

من التسويق أن يتجاوز المنتج وظيفته ليصبح موقف، فالعلامات الكبرى تدرك أنهم عندما يتبنون قضيتها يتحول من مشتر إلى مدافع، ويتقن نولان هذا الفن ويجعل كل فيلم له معركة يقف فيها الجمهور كصف خلفه.

فحين أصر على عرض «تينيت» في الصالات وسط إغلاقات الجائحة، تحول الفيلم من عمل ترفيهي إلى معركة لإنقاذ السينما ذاتها، وصار شراء التذكرة موقف يعلن به المشاهد انحيازه للشاشة الكبيرة في وجه المنصات، وحين هاجم قرار «وارنر» بعرض أفلامها على المنصات بالتزامن مع الصالات، كان يرسخ تموضعه كحارس أخير لتجربة تحتضر، فالجمهور ينحاز  لمن يقاتل عن شيء يحبونه، وهكذا يشتري جمهور نولان ما هو أكبر من فيلم؛ يشترون موقف من الرقمنة، وحنين إلى زمن كانت السينما فيه حدث، وانتماء إلى قضية. 

بلكونة

ختامًا

انتصار نولان على التعفن الدماغي درس تسويقي قبل أن يكون إنجاز فني؛ فهو يدير رحلة عميل تبدأ قبل المنتج بسنوات، ويوظف الندرة لصناعة الرغبة، ويبني قيمة علامة تشترى على الثقة، ويحول جمهوره إلى قناة تسويقية تعمل بدافع الحب، ويرفع منتجه من سلعة إلى قضية، والأعمق من ذلك كله أن تجربته تكشف أن أزمة الانتباه أزمة محتوى قبل أن تكون أزمة جمهور، فالمشاهد الذي سيترك مقاطع الثلاثين ثانية، لثلاث ساعات كاملة حين يجد ما يستحق، والدرس التسويقي الأبلغ في تجربة نولان أن الجمهور يمنح انتباهه الكامل لمن يحترم عقله.

التسويق المتكامل - Integrated Marketing

التسويق المتكامل - Integrated Marketing

استخدام قنوات تسويقية متعددة بشكل متناسق لتحقيق أهداف إعلانية معينة

المحتوى الذي ينشئه المستخدم - User-Generated Content (UGC)

المحتوى الذي ينشئه المستخدم - User-Generated Content (UGC)

المحتوى الذي يتم إنشاؤه من قبل العملاء أو الجمهور حول علامة تجارية معينة، مثل التعليقات أو المراجعات.

التسويق الشفهي - Word of Mouth (WOM)

التسويق الشفهي - Word of Mouth (WOM)

ترويج منتج أو خدمة من خلال الحديث الشخصي بين الناس دون تدخل مباشر من العلامة.

اقرأ المقال التالي