بلكونة - الشعار
ما يمكن لعلم النفس أن يقدمه للمبدعين

ما يمكن لعلم النفس أن يقدمه للمبدعين

أكتب إليك من مكانين أعرفهما جيدًا: من طاولة يطلب عندها أن تولد الفكرة بسرعة، ومن غرفة يحاول فيها شخص أن يفهم لماذا صار الشيء الذي يحبه يثقله.

ما يمكن لعلم النفس أن يقدمه للمبدعين

تبدأ بعض الأفكار داخل الوكالة، وأسمع مشاعرها لاحقًا في العيادة؛ فأحيانًا يبدأ الأمر بشعور تتكون حوله أفكار كثيرة، وأحيانًا تبدأ فكرة فتولد شعور، وفي العيادة يصلني ما تركه الاثنان داخل صاحب الفكرة.

يلاحق الكاتب جملة قبل موعد التسليم، ويعيد المصمم ترتيب فكرته بعد معارك أخرى من الملاحظات؛ يبدو الأمر من الخارج جزءًا طبيعيا من العمل، لكنه يتحول في الداخل إلى سؤال أكبر من المشروع نفسه: هل ما زلت أعرف كيف أبدع؟

أما في الجلسات النفسية، فأسمع ما يبقى خفيًا خلف النسخة النهائية من العمل:

«صرت أخاف أقدم برزنتيشن». «أي ملاحظة تخليني أشك في نفسي». «فقدت الشيء اللي كنت أبدع فيه».

تتكرر هذه الجمل على ألسنة كثيرين، وأكتب هنا عن نمط عام يتجاوز أي حالة بعينها؛ تتغير الكلمات، وتبقى المشاعر خلفها واحدة، يأتي الشخص وهو يظن أن المشكلة في موهبته، ثم نكتشف أن ما يثقله قد يكون فكرة قاسية صدقها عن نفسه، أو شعور غامض يحتاج إلى اسم، أو حد تأخر في وضعه، أو ضغط طال حتى صار جزء عادي من يومه.

ومن المكان الذي أقف فيه بين العمل الإبداعي والعمل النفسي، ظل سؤال واحد يعود إليّ: كيف يبقى المبدع مبدعًا، حين يتحول العمل الذي يحبه إلى أحد أكثر الأشياء استنزافًا له؟

ما يضيفه العقل إلى البريف

يأتي البريف واضح في العادة: هدف، وجمهور، ورسالة، وموعد للتسليم؛ لكن العقل يضيف إليه تفسيرات خاصة، تبقى بعيدة عن ما هو مكتوب فيه فعلًا.

فإذا تعثر اعتماد الفكرة من المحاولة الأولى، أخبرك العقل أن المشكلة فيك وحدك، وإذا عاد النص بتعديل، أقنعك أن مديرك يراجع ثقته فيك؛ يقول المدير: «الفكرة تحتاج إلى تعديل»، لكن داخل رأس المبدع تبدأ جملة أخرى: «أنا لا أعرف كيف أبدع»؛ يتأخر رد العميل فتقرأه رفض، وينجح مشروع لزميل فتتحول المقارنة من لحظة عابرة إلى حكم كامل على قدراتك، وهكذا يتغير البريف عما وصل عليه، فتجد نفسك تنفذ ملاحظات تخيلتها ولم يخبرك أحد عنها.

يسمي العلاج المعرفي السلوكي بعض هذه القفزات «أخطاء في التفكير»، وهذا وصف لتعامل العقل مع الموقف، أكثر من كونه حكم على صاحبه؛ فهي تختصر الموقف بسرعة، وتقدم تفسيرًا واحدًا كأنه الحقيقة كلها، فنعمم من تجربة واحدة، ونفترض معرفتنا بما يدور في أذهان الآخرين، أو نرى عملنا في صورتين فقط: إما مبهر تمامًا، وإما فشل كامل.

تشبه هذه الأخطاء «فلاتر» التطبيقات؛ فالصورة الأصلية موجودة، لكن «الفلتر» يبرز جزء منها، ويخفي أجزاء أخرى، ويغير الطريقة التي نراها بها، ونعرف متى نضع «فلتر» على صورة، ونغفل أحيانًا عن اللحظة التي يضع فيها الخوف أو الكمالية أو الشك «فلتر» على موقف في العمل.

لذلك، قبل أن تصدق أول فكرة تظهر في رأسك، عد إلى البريف الأصلي للموقف: ماذا قيل فعلا؟ وما الدليل على التفسير الذي وصلت إليه؟ وهل يوجد تفسير آخر يحفظ للملاحظة حجمها الطبيعي، فتبقى ملاحظة على العمل فقط؟

قد تحتاج الفكرة إلى تعديل، وقد تصلح لمشروع آخر غير هذا، وتبقى قدرتك الإبداعية الكاملة بمنأى عن أي شك، وأكثر ما يرهق المبدع هو ما يكتبه عن نفسه بين سطور البريف، وهو أثر يتجاوز ما كتب في البريف.

أعط شعورك اسمًا

كلمة «متضايق» عملية جدا؛ تتسع للغضب والخوف والإحباط والإرهاق، ثم تغلق الباب قبل أن نعرف أيها يقف خلفها، وفي العمل الإبداعي، توجد جملة أوسع منها: «فقدت شغفي».

يقولها الكاتب حين يفتح ملف جديد وتغيب عنه الرغبة في البدء، ويقولها المصمم بعد جولة أخرى من التعديلات، وقد يشعر بها المبدع حين تتحول الفكرة التي كان ينتظرها إلى مهمة يريد فقط أن ينتهي منها.

لكن الشغف يتهم سريعًا، ربما يبقى شغفك في مكانه، وما تشعر به شيء آخر؛ فقد تكون محبط لأن أفكارك ترفض بملاحظات غامضة، أو غاضب لأن وقتك يهدر، أو ربما صار عرض أفكارك أمام الفريق يثير خوف قديم تركته تجربة محرجة، وربما تكون المشكلة إرهاق خارج نطاق الإبداع أو المجال؛ أنت فقط مرهق، وتطلب من نفسك حماس في وقت تحتاج فيه إلى استعادة طاقتك.

حين تسمي شعورك، يبقى حاضر، ويتوقف عن كونه كتلة واحدة مبهمة، وتشير بعض الأبحاث إلى أن وضع الشعور في كلمات قد يخفف من حدة الاستجابة العاطفية المرتبطة به؛ ولهذا نشعر أحيانًا أن مجرد قول: «أنا غاضب»، أو «أنا خائف»، يغير علاقتنا بما يحدث، حتى وإن ظل الموقف نفسه على حاله.

فالغضب قد يخبرك أن حدًا جرى تجاوزه، والخوف قد يكشف أنك تحتاج إلى استعداد أكبر، أو إلى شعور أوضح بالأمان، أما الإحباط، فقد يكون طلبا مؤجلًا للوضوح أو الدعم. والإرهاق؟ غالبًا يحتاج إلى راحة حقيقية، تفوق حاجته لفيديو تحفيزي آخر.

قبل أن تقول إنك فقدت شغفك، توقف قليلا واسأل نفسك: ماذا أشعر فعلا؟ متى بدأ هذا الشعور؟ وما الذي أحتاجه الآن؟ قد تكون الإجابة راحة، أو حديثا صريح، أو ملاحظة أوضح، أو توقف بسيط عن المشروع.

حين تمنح شعورك اسم، تصبح قادر على إبقائه في حجمه الطبيعي، بعيدًا عن أن يتحول إلى حكم على حياتك كلها، فالتعب في الغالب حالة عابرة، والإحباط أحيانًا إشارة مؤقتة، تختلف تماما عن كونه دليلًا نهائيًا على خطأ اختيارك للمجال.

قل ما تحتاجه بوضوح

يصل البريف بعد نهاية الدوام، والتسليم صباح الغد؛ تنظر إلى المطلوب، ثم إلى الوقت، وتعرف أن بينهما تعارض واضح، ومع ذلك تكتب: «أبشر»، كلمة قصيرة، تنهي المحادثة في ثانيتين، وتبدأ بعدها ساعات من العمل، غابت عن كل حساب.

نعرف غالبًا متى يتجاوز الطلب قدرتنا، ونجهل أحيانا كيف نقول ذلك بوضوح؛ نخشى أن يبدو التفاوض اعتراض، أو أن يفهم طلب المزيد من الوقت على أنه تقصير، فنوافق ونحاول إنقاذ الموعد على حساب وقتنا وراحتنا وجودة ما نقدمه، وأحيانًا نصمت؛ ننتظر أن يلاحظ الآخرون ضغطنا، وأن يفهموا من تأخر الرد أو قلة الحماس أننا وصلنا إلى حدنا، وحين يمر الأمر مرور الكرام، نغضب من احتياج ظل حبيس الصمت.

في العلاج السلوكي الجدلي، مهارة تعرف باسم «دير مان» (DEAR MAN)، تساعدك على نقل ما يدور في رأسك إلى حديث يمكن للطرف الآخر أن يفهمه، فكرتها بسيطة: تصف ما حدث كما هو، بحياد تام بعيدًا عن الاتهام أو المبالغة، وتقول كيف أثر عليك، وما الذي تحتاجه، ثم تبقى في صلب الحديث، وتتحدث بثبات، وتترك مساحة للتفاوض.

والحدود، في جوهرها، طريقة صريحة للتعبير عن احتياج حقيقي، بعيدة كل البعد عن الرفض المقنّع أو إعلان الحرب، قد يكون الحد موعد تسليم واقعي، أو ترتيب أوضح للأولويات، أو عدد متفق عليه من التعديلات، أو أن تطلب المعلومات الناقصة قبل أن تبدأ؛ وفي أحيان كثيرة، يكون التفاوض على ما يمكن إنجازه داخل الوقت المتاح أكثر مهنية من موافقة سريعة، ثم محاولة إنقاذها على حسابك.

لكن الكلمات، مهما كانت جيدة، تبقى محدودة الأثر أمام بعض المواقف، فمهارة التواصل، مهما بلغت من امتياز، تظل عاجزة عن تحويل جدول مستحيل إلى واقع قابل للتنفيذ، أو تحويل بيئة تعتبر الطلبات بعد الدوام أمر عادي إلى بيئة صحية؛ وتنظيم العمل واحترام الوقت مسؤولية مشتركة، يتحملها الجميع معًا.

ومع ذلك، حين تكون هناك مساحة للحوار، أخرج احتياجك من رأسك إلى الكلام، بدلا من انتظار أن يخمنه الآخرون؛ قل ما تحتاجه، وقل ما تستطيع تقديمه فعلًا.

أنت لست شمعة

نحب صورة المبدع الذي «يحترق من أجل عمله»، تبدو العبارة مديحًا، كأن الشغف يقاس بما يستهلكه العمل من صاحبه، أو كأن إضاءة المشروع تستلزم أن ينطفئ أحد في الجهة الأخرى.

وما دام المبدع يسلم في الموعد، ويحضر الاجتماعات، ويرد على التعديلات، يبدو المشهد سليمًا من الخارج؛ لكن شيئًا ما يبدأ بالتغير: المهمة التي كان ينهيها بسهولة تصبح أثقل، والملاحظة العادية تصل إليه بصورة أقسى، وقد تصله أخيرًا رسالة اعتماد الفكرة التي عمل عليها طويلا، فيقرأها ببرود تام، يغلق الملف، ثم يفتح المهمة التالية، قبل أن يستعيد ما أخذه منه المشروع السابق.

الازدحام أحيانًا مرحلة عابرة، تختلف عن الاحتراق الحقيقي؛ فقد تمر بمشروع شاق أو أيام طويلة، ثم تعود إلى طاقتك حين تهدأ الأمور، لكن الاحتراق المهني يبدأ حين يظل الضغط مستمر على الدوام، وتصفه منظمة الصحة العالمية بأنه أثر لضغط مزمن في العمل خرج عن السيطرة، ويظهر في استنزاف الطاقة، والابتعاد النفسي عن العمل، وتراجع الشعور بالقدرة على الإنجاز.

حين يصبح الانفصال عن العمل صعبًا، ويضعف تركيزك، وتعجز الراحة القصيرة عن استعادتك لنفسك، فأنت في الغالب بحاجة إلى التوقف ومراجعة ما يحدث، أكثر من حاجتك إلى دفعة تحفيز جديدة، فالتعافي جزء أصيل من العمل ذاته، يحدث وسط تدفق المهام المستمر: نوم يكفيك، ووقت تحتفظ فيه بخصوصيتك بعيدًا عن أي تواصل، ومسافة حقيقية عن المشروع، ومراجعة للحمل الذي تحمله قبل أن يصبح أكبر من قدرتك.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية مشتركة، أوسع من المبدع وحده؛ يبقى النوم المبكر عاجز عن حل جدول تسليم مستحيل، وتبقى تمارين التنفس عاجزة عن تصحيح بيئة تعتبر الرد بعد الدوام دليل التزام، وتبقى النصائح الفردية قاصرة عن تعويض ضعف التنظيم والدعم.

لا تنتظر أن تنطفئ حتى يعرف الآخرون مقدار ما قدمته؛ أنت لست شمعة، والعمل الجيد لا يفترض أن يضيء على حساب صاحبه.

إلى صاحب الفكرة

ربما تحتاج، قبل كل فكرة جديدة، إلى أن تتوقف وتسأل: ماذا يحدث لي وأنا أحاول أن أبتكر؟

وقد تكون الفكرة التي أتعبتك رفضت بطريقة تختلف تماما عن ما فهمته، وقد يكون ما تسميه فقدانا للشغف شعور آخر بانتظار اسمه الحقيقي، وربما تعرف جيدا ما تحتاجه، لكنك تخشى أن تقوله؛ فتستمر في الإنجاز طويلًا، ويظن الجميع أنك بخير، بينما تخسر شيئًا من طاقتك مع كل مهمة جديدة.

أكتب إليك من مكانين أعرفهما جيدًا: من طاولة يطلب عندها أن تولد الفكرة بسرعة، ومن غرفة يحاول فيها شخص أن يفهم لماذا صار الشيء الذي يحبه يثقله، ومن المكانين تعلمت أن المبدع يحتاج أحيانًا إلى فهم ما يحدث بداخله وهو يعمل، أكثر من حاجته إلى مهارة جديدة أو نصيحة أخرى عن الانضباط والإنتاجية.

يحتاج أن ينتبه إلى الجملة التي يقولها لنفسه بعد كل ملاحظة، وأن يمنح شعوره اسم، وأن يقول ما يحتاجه قبل أن يتحول الصمت إلى استنزاف، وأن يتذكر أن ما يحبه يستحق أن يبقى، بمعزل عن كلفة الاحتراق.

فالموهبة قد تصنع عمل جميل، وتحتاج إلى إنسان يستطيع أن يحملها، وحين تحمي صاحب الفكرة، فأنت تقترب أكثر من الإبداع؛ أنت تمنحه وقتا أطول ليبقى.

الإرهاق الإبداعي - Creative Fatigue

الإرهاق الإبداعي - Creative Fatigue

حالة تصيب السوق أو الجمهور حين تتشابه الحملات الإعلانية وتفقد عنصر المفاجأة أو الأصالة، مما يقلل التفاعل ويضعف تأثير الإعلان.

موجز إبداعي - Creative Brief

موجز إبداعي - Creative Brief

وثيقة تقدم شرحًا موجزًا للأهداف والمبادئ التوجيهية التي يجب أن يتبعها فريق الإبداع أثناء تصميم إعلان

التسمية العاطفية المحددة - Emotional Labeling

التسمية العاطفية المحددة - Emotional Labeling

مهارة نفسية تعتمد على تفكيك مشاعر الإحباط الكبيرة والمبهمة وتسميتها بدقة، مما يقلل من حدتها ويحدد طريقة علاجها.

اقرأ المقال التالي