أنا منار، كان شغفي «توطين المحتوى»، ومن هذا الشغف بدأت رحلتي، فتعلمت لغات عدة، ثم انتقلت إلى التصميم الجرافيكي، وفجأة وجدت نفسي في دورة للرسم ثلاثي الأبعاد، ثم أخرى لبرمجة الألعاب، وحين توقفت لألتقط أنفاسي أدركت أن التشتت كان سبب تأخري؛ فشعلة التعلم عندي كانت بريئة من العيب، والخلل كله في غياب البوصلة، إذ كنت أبحث عن «أي باب يفتح» عوضًا عن صب جهدي في بناء مسار واضح.
حينها اتخذت قراري بأن أستقر في مجالٍ يحول معرفتي المتنوعة من «تشتت» إلى «قوة خارقة»، فأصبحت أخصائية توظيف قادرة على فهم الباحثين عن عمل وتوجيههم إلى المكان الذي يشبههم ويناسب قدراتهم.
كثرة المهارات سبب ضياعك
قصة تتكرر يوميًا مع آلاف الخريجين؛ فبعد التخرج يبدأ سباق منهك نحو كمال زائف، إذ ترى كل من حولك يتسابقون؛ هذا حصل على شهادة إدارة المشاريع، وذاك يبدع في التصميم، وآخر يغوص في التسويق الرقمي، وفجأة يداهمك شعور متعب: «إذا توقفت عن التعلم فسيفوتني القطار»، فتركض في كل اتجاه وتكدس الشهادات في سيرتك الذاتية، لتستيقظ بعد تعب الركض وملل الانتظار وقد تعلمت لا شيء من كل شيء، وبقي السؤال الأهم معلقًا دون إجابة: «أنا ماذا أريد أن أكون؟». هذا الخوف من ضياع الفرص هو ما يضيعك فعلًا، وهذه علامات تدل أنك لم تحدد مسارك بعد:
1. تسجل في كل دورة تراها مفيدة.
2. تغير تخصصك كل عدة أشهر.
3. لا تستطيع تعريف نفسك بمسمى واحد.
4. سيرتك الذاتية مليئة بمهارات لا يجمعها رابط.
5. كلما رأيت شخصًا ناجحًا قلدته.
كيف تضبط بوصلتك الوظيفية؟
الخروج من مرحلة الضياع يبدأ من تحديد وجهتك أولًا، ثم جعل التعلم وسيلة تخدمها، ابدأ بجلسة صادقة مع نفسك تجيب فيها كتابة عن عدة أسئلة «ما هي المهارة التي يميزني الآخرون بها؟» «ما المسمى الوظيفي الأقرب لهذا للمهارة؟»، وحول الإجابات إلى مسمى وظيفي محدد تستطيع البحث عنه في منصات التوظيف، ثم ادرس ثلاثة إعلانات وظيفية حقيقية لهذا المسمى واستخرج منها المهارات المطلوبة المتكررة، فهذه القائمة هي منهجك الحقيقي للتعلم بعيدًا عن الدورات الرائجة.
إذا كنت تجيد التحدث أمام الجمهور، وتمتلك قدرة على الإقناع، وتستمتع ببناء العلاقات مع الآخرين، وتجد نفسك قادرًا على فهم احتياجات الآخرين، فهذه مؤشرات قد تقودك إلى مسارك الوظيفي مثل: تطوير الأعمال، أو إدارة الحسابات، أو المبيعات، أو العلاقات العامة، وأن كنت مبدع، ولا تحب التكرار فالكتابة باختلاف مسمياتها والتصميم هي المناسبة لك.
ما الذي يبحث عنه مسؤول التوظيف؟
من واقع عملي في التوظيف، أؤكد لك أن الذي يلفت انتباه مسؤول التوظيف هو «القصة» التي ترويها سيرتك الذاتية قبل عدد السطور المتراصة فيها؛ فتخيل سيرتك ككتاب: هل هي فصول مترابطة تقود إلى خاتمة واضحة، أم صفحات مبعثرة من كتب مختلفة يجمعها غلاف واحد؟ حين تتبع الخطوات السابقة ستتحول سيرتك تلقائيًا إلى فصول مترابطة، وسيقرأ مسؤول التوظيف فيها شخصًا يعرف وجهته ويستحق الفرصة، وهذه خطوات عملية تساعدك في تقديم نفسك:
1. اجعل سيرتك الذاتية موجهة لوظيفة محددة
لا تستخدم نسخة واحدة لكل الوظائف، عدل الملخص المهني، والمهارات، والخبرات بما يتوافق مع المسمى الوظيفي الذي تتقدم إليه، حتى تعكس سيرتك أنك تعرف وجهتك المهنية.
2. ركز على المهارات والإنجازات الأكثر ارتباطًا بالوظيفة
لا تحاول عرض كل ما تعلمته أو أنجزته، واختر ما يخدم الوظيفة المستهدفة، اجعل مسؤول التوظيف يرى لماذا أنت مناسب لهذا الدور تحديدًا.
3. أثبت مهاراتك حتى وإن لم تمتلك خبرة عملية
إذا كنت حديث التخرج أو في بداية مسيرتك المهنية، فلا تنتظر الوظيفة لتثبت نفسك، أنشئ مشاريع شخصية خيالية، أو شارك في أعمال تطوعية، وضعها في ملف أعمالك(Portfolio).
4. احرص على توافق سيرتك مع أنظمة التوظيف (ATS)
استخدم تصميم بسيط، وعناوين واضحة، وكلمات مفتاحية تتطابق مع الوصف الوظيفي، واحفظ الملف بصيغة (PDF) حتى تضمن سهولة قراءته من قبل الأنظمة ومسؤولي التوظيف.
5. لا تضع المعدل الأكاديمي
إذا لم يكن معدلك الأكاديمي مرتفع، ولم يكن شرط للتقديم، فلا تشعر بأنك مضطر لإدراجه، ففي كثير من الوظائف، تكون المهارات، والمشاريع، والخبرات العملية أكثر تأثيرًا من المعدل.
6. اجعل سيرتك مختصرة وسهلة القراءة
تجنب الإطالة و التفاصيل غير الضرورية، استخدم عناوين واضحة ونقاط مختصرة، لأن مسؤول التوظيف غالبًا يمنح السيرة الذاتية نظرة أولى لا تتجاوز ثوان معدودة.
7. اعرض سيرتك على أهل الاختصاص قبل إرسالها
اطلب من شخص يعمل في المجال أو من مختص في التوظيف مراجعة سيرتك الذاتية، فغالبًا ما يكتشف نقاطًا تحتاج إلى تحسين، سواء في الصياغة أو ترتيب المعلومات أو إبراز المهارات المطلوبة في السوق.
ختامًا
يكفيك أن تتعلم ما يخدم وجهتك، وأن تجعل كل خطوة تخطوها تقربك منها؛ فالطريق الواضح يختصر المسافة ويوصلك وأنت تعرف تمامًا لماذا وصلت، أما التوهان فيطيل الرحلة، وما يمكن إنجازه في عام قد يأخذ منك عامين، وطاقتك أثمن من أن تتبدد في الركض خلف كل جديد.
اطمئن، فاختيارك لمسار واحد يبقي بقية الأبواب مواربة متى احتجت إليها، والفرص الحقيقية تعرف طريقها إلى من حدد وجهته وأتقن حرفته. تخيل رجلًا يحمل خريطة تدله على مكان الكنز دون أن ترسم له الطريق إليه؛ متى سيصل برأيك؟ الأرجح أن الكنز سيبقى في مكانه، فكن أنت من يرسم طريقه بيده ويمشي إليه بخطى واثقة.
