بلكونة - الشعار
الاستعمار في وكالات التسويق

الاستعمار في وكالات التسويق

إن الصورة العامة لقطاع التسويق أنه حكر على الوافد، وأن الوكالات ذات الغالبية السعودية استثناء يُشار إليه لا قاعدة يُحتذى بها. فكيف بدأ هذا الاستعمار؟

الاستعمار في وكالات التسويق

شهد سوق الدعاية والإعلان في السعودية خلال العقدين الماضيين حالة من الهيمنة الأجنبية التي لا تختلف في جوهرها عن أي استعمار اقتصادي، وإن اختلفت أدواته. حتى صارت الصورة العامة للسوق أنه حكر على الوافد، وأن الوكالات ذات الغالبية السعودية استثناء يُشار إليه لا قاعدة يُحتذى بها. فكيف بدأ هذا الاستعمار؟ وكيف صارت مطالبة توظيف السعودي تُقرأ على أنها تهجم وانتهاك؟

جذر المشكلة

في بداية الألفية كان السعودي يملك ترفًا وظيفيًا، فالقطاع الحكومي يستقطبه براتب مضمون وساعات مريحة، والقطاع الخاص في مجالات أخرى ينافسه بمميزات أفضل، فوجد سوق الإعلان نفسه في آخر قائمة الأولويات. والمجال في طبيعته يحتاج صبرًا طويلًا وبداية متواضعة، وهذا تحديدًا ما جعل السعودي يتجاوزه نحو خيارات أقل مشقة في بدايتها.

هذا الفراغ لم يبقَ فراغًا طويلًا. الوافد القادم من لبنان ومصر والهند وجد فيه فرصة لم تكن متاحة له في بلده، فقبل ما رفضه السعودي، وصبر على ما استعجل منه، وعمل في المناصب التي تركها شاغرة، من مصمم جرافيك وكاتب ومنتج ومخرج. والأهم من ذلك أنه تعلم السوق المحلي من الداخل، وفهم العميل السعودي وطريقة تفكيره وما يقبله وما يرفضه، وراكم من هذا الفهم رصيدًا لم يكن لأحد غيره.

ومع الوقت لم تكن المناصب الأعلى تُمنح لأحد سواه، لأنه ببساطة كان الأكثر خبرة والأطول عهدًا بالسوق. وحين بدأ السعودي يلتفت للمجال وجد أن الوافد أصبح هو من يرسم قواعده، ويقرر من يدخله ومن يترقى فيه، وأن شبكة العلاقات التي بناها مع العملاء والشركات جعلت أي داخل جديد يبدأ من الصفر في ملعب يعرف فيه الآخرون كل شيء. المشكلة إذن بدأت بغياب اختياري، وانتهت باحتلال هادئ لم يشعر به أحد إلا حين أصبح الخروج منه مكلفًا.

الذوق العام

في بداية الألفية كان المستهلك السعودي يملك سيولة مالية مرتفعة وتعرضًا محدودًا للإعلانات، فأي إعلان يصله كان يستوقفه لمجرد ندرته. هذا البيئة أراحت الوكالات الأجنبية كثيرًا، إذ لم تكن مضطرة لفهم السوق المحلي بعمق، فالمستهلك كان يتقبل أي محتوى يُقدَّم له بإنتاج جيد بصرف النظر عن مدى ارتباطه بثقافته أو واقعه.

وأفرز هذا الواقع نمطًا إعلانيًا معيبًا تكرر لسنوات، إعلانات تستورد أفكارها من أسواق غربية أو خليجية مجاورة وتكتفي بتعريبها، ووجوه لا تعكس المجتمع السعودي، ولغة تخاطب مستهلكًا افتراضيًا لا علاقة له بالمستهلك الحقيقي. والمفارقة أن هذا النمط نجح، لأن السقف كان منخفضًا وأي شيء فوقه يبدو مقبولًا.

وكان هذا النجاح الزائف أحد أكبر العوائق أمام التغيير، فالوكالات التي حققت أرباحًا بمحتوى مستورد لم تجد دافعًا لتطوير فهمها للسوق، والعميل الذي لم يرى فرقًا لم يطالب بما هو أفضل. وظل هذا الحال سائدًا حتى بدأ المستهلك نفسه يتغير.

بداية التحول

التحول لم يأتِ من قرار مؤسسي أو توجيه رسمي، جاء من الشاشة الصغيرة حين بدأت منصات التواصل الاجتماعي تمنح المستهلك السعودي تعرضًا واسعًا لمحتوى يشبهه، محتوى يتكلم بلهجته ويعكس يومه ويفهم سياقه. وحين رأى المستهلك هذا الفرق بدأ ذوقه يتشكل من جديد، وأصبح يقيس الإعلان بمعيار جديد لم يكن موجودًا من قبل، وهو مدى صدقه.

وحين بدأ المعلنون يتكلمون باللهجة السعودية ويعكسون يومه وثقافته، وجد المستهلك في هذه الإعلانات ما لم يجده من قبل، فتفاعل معها بطريقة لم تحققها سنوات من المحتوى المستورد. كانت الأرقام دليلًا على أن السوق كان جاهزًا لهذا المحتوى منذ زمن. 

وبدأت الجهات تلتفت لهذا النسق وتدرك أن الإعلان الذي يشبه الناس يصل إليهم بطريقة لا يصلها غيره. غير أن هذا الإدراك وحده لم يكن كافيًا لإحداث تغيير حقيقي، فالوكالات التي تمسك بزمام السوق ظلت هي ذاتها، وظل صانع القرار فيها يرى السوق السعودي من الخارج.

ما الذي يقف أمام التغيير؟

رغم أن السوق بدأ يدرك أهمية المحتوى المحلي، إلا أن هذا الإدراك لم يترجم بعد إلى تغيير حقيقي في بنية الوكالات، وثمة أسباب متشابكة تقف خلف هذا الجمود.

أبرزها الرواتب، إذ حدّدت وزارة الموارد البشرية الحد الأدنى للأجور بخمسة آلاف وخمسمائة ريال، وهو رقم يكشف عن سقف منخفض لتقييم العمل في هذا القطاع. والسعودي الذي يقارن بين هذا الراتب وما تقدمه قطاعات أخرى كالبنوك والاتصالات والقطاع الحكومي يجد نفسه أمام خيار واضح، فالمجال الإعلاني يطلب منه أن يبدأ من الأسفل براتب متواضع في بيئة تنافسية، في حين تفتح له قطاعات أخرى أبوابها براتب أعلى واستقرار أكبر. وما دام هذا الفارق قائمًا سيظل المجال يعاني من نفس المشكلة التي أوجدت الأزمة في الأصل، وهي عزوف السعودي عنه.

ويزيد على ذلك عقدة موجودة عند بعض أصحاب القرار من السعوديين أنفسهم، وهي مفارقة لافتة، إذ يحمل بعضهم نظرة ازدرائية تجاه الكفاءة السعودية في هذا المجال، كأن الخبرة الأجنبية في نظرهم تساوي جودة أعلى بحكم مصدرها لا بحكم نتيجتها. وهذه النظرة تجعل المدير السعودي نفسه يفضّل توظيف من قدم من الخارج على من نشأ في نفس البيئة التي يفترض أن الإعلان يخاطبها، متجاهلًا أن فهم المجتمع الذي تعيش فيه لا تكتسبه بالسنوات فقط. وهذه النظرة وحدها كافية لإغلاق الباب أمام مواهب محلية قبل أن تُمنح فرصة حقيقية.

ويبقى السبب الأعمق أن الوافد الذي راكم علاقاته لسنوات لن يتركها بسهولة. فالعميل الذي تعامل مع مدير أجنبي لسنوات بنى معه ثقة شخصية قبل أن تكون مهنية، وحين يأتي السعودي ليحل محله يجد نفسه في مواجهة هذه الثقة المتراكمة. والوكالة من جهتها تتردد في إجراء هذا التغيير خشية أن تخسر العميل مع المدير، فيتحول ما بدأ ميزةً مكتسبة إلى درع يحمي الوضع القائم ويجعل كل محاولة للتغيير تبدو مجازفة.

ختامًا

في البداية كان الفراغ، فراغ تركه السعودي باختياره وملأه غيره باجتهاده. غير أن هذا الفراغ تحول مع الوقت إلى جدار من العلاقات والمناصب والنظرة الازدرائية يجعل العودة إلى السوق أصعب من الدخول إليه في الأصل.

والحديث عن هذه الهيمنة لا يعني إنكار وجود كفاءات أجنبية حقيقية أثرت السوق وتركت فيه بصمة لا يمكن تجاهلها، فالخبرة المتنوعة والاحتكاك بتجارب مختلفة من مكاسب يستفيد منها أي سوق ناضج. المشكلة ليست في وجود الأجنبي، المشكلة في غياب التوازن، حين يصبح الأجنبي هو القاعدة والمحلي هو الاستثناء، وحين تُبنى المناصب القيادية على شبكة العلاقات لا على معيار الكفاءة.

والسوق أثبت بنفسه أنه يستجيب حين يُخاطَب بلغته، وهذا يعني أن الكفاءة المحلية ليست رهانًا عاطفيًا بل قرار اقتصادي رشيد. التغيير لن يأتي من تلقاء نفسه، المسؤولية تقع على العميل الذي يملك القرار حين يختار من يعمل معه، وعلى صاحب القرار السعودي أن يراجع نظرته قبل ميزانياته، وعلى السعودي الشاب أن يرى في هذا المجال فرصة لا عقبة. فالاستعمار لا يدوم حين يقرر أصحاب الأرض أنهم أولى به.

الاستعمار الاقتصادي الناعم - Soft Economic Colonialism

الاستعمار الاقتصادي الناعم - Soft Economic Colonialism

هيمنة كفاءات أو منظومات أجنبية وافدة على قطاع إنتاجي أو إبداعي كامل، والتحكم في مفاصله القيادية وصناعة قراراته، بحيث يصبح المكون المحلي غريبًا في سوقه.

غياب توازن الكفاءات - Talent Imbalance

غياب توازن الكفاءات - Talent Imbalance

حالة من الخلل الهيكلي في سوق العمل تظهر عندما يتحول الوافد إلى «القاعدة العامة» المسيطرة على الفرص والمناصب، بينما يصبح المواطن هو «الاستثناء» النادر.

الازدراء الذاتي المؤسسي -عقدة الخواجة - Corporate Self-Depreciation

الازدراء الذاتي المؤسسي -عقدة الخواجة - Corporate Self-Depreciation

انحياز فكري سلبي يحمله بعض صناع القرار المحليين، يجعلهم يفضلون الكفاءة الأجنبية ويمنحونها موثوقية أعلى لمجرد مصدرها، مع التشكيك المسبق في قدرات ابن البيئة.

اقرأ المقال التالي