بلكونة - الشعار
هل تنتهي مهنة الكتابة على يد الذكاء الاصطناعي؟
مجتمع POV

هل تنتهي مهنة الكتابة على يد الذكاء الاصطناعي؟

مع إطلاق «شات جي بي تي» في عام 2022، بدأت التساؤلات: هل يحل الذكاء الاصطناعي محل الكُتّاب؟ فاليوم لا نكاد نشاهد محتوى من أي نوع، إلا وكان مولّدًا بإحدى الأدوات، فهل انتهت مهنة الكتابة كما نعرفها؟

هل تنتهي مهنة الكتابة على يد الذكاء الاصطناعي؟

في بدايات عام 2022، وبعد إطلاق «شات جي بي تي» بعدة أشهر، أتذكر المرة الأولى التي سمعت فيها هذا التساؤل: «هل يحل الذكاء الاصطناعي محل الكُتّاب؟». طرحه «ستيفن بيج» الرئيس التنفيذي لدار نشر (Faber & Faber)، والذي كان محاضرًا زائرًا في جامعتي آنذاك. في قاعة دراسية مكتظة بطلاب الكتابة الإبداعية والأدب، انقسمت الآراء واحتدم النقاش، وبقيت أنا في صمتي أفكر؛ أليس منبع كل إنتاج إبداعي تجربة إنسانية؟ فكيف يمكن لآلة لا ترى ولا تشعر أن تستنسخ هذه التجارب؟

لمدة طويلة لم يتشكل في ذهني جواب واضح، وكنت أراقب بلا اكتراث تطور النماذج وتعدد الأدوات، ثم بدأت استعملها على استحياء وفي حدود المرادفات والتدقيق، وتدريجيًا انغمست أكثر في التجارب التي سريعًا ما تحولت إلى اعتماد شبه كامل، تبعتها لحظة إدراك ووقفة تأمل، أعدت بعدها الحسابات وانتشلت نفسي من التفريط إلى منطقة أكثر توازنًا وعقلانية. والآن بعد مرور ثلاثة أعوام، أعتقد أنني أملك أخيرًا جوابًا عن السؤال الذي ذكرته في البداية.

الكتابة كفطرة إنسانية 

دعونا نبدأ بالسؤال الجوهري: ما الذي يدفع البشر للكتابة؟ في ظني أن الإنسان تلازمه منذ ولادته رغبة ملحة في التعبير والبقاء. يبني، يزرع، يرسم، يكتب؛ لعله يعكس بعض ما في دواخله على ما حوله، وينجو بنفسه أو ببعضٍ منها من حتمية النسيان. لطالما كانت الكتابة أداة للتفريغ والتعايش، لفهم ذواتنا والعالم الذي وجدنا أنفسنا فيه، لتوثيق تجاربنا ومشاعرنا، وأحد سبل البحث عن إجابة لسؤال: «هل نحن وحدنا؟».

هذه الأسباب الفطرية لا تختفي بين ليلة وضحاها، والاستغناء عن الكتابة -أو أي من الفنون الأخرى- يعني غياب الوسيط بين ما تنضح به أرواحنا والكون من حولنا. فكل وسائل التعبير هذه لازمت الإنسان منذ الأزل؛ من النقوش الصخرية على جدران الكهوف، والألواح السومرية، وترنيمة الحورية، والمعلقات، وصولًا إلى «الإليادة» و«الأوديسة» لهوميروس، و«ألف ليلة وليلة»، و«هاملت»، وثلاثية نجيب محفوظ. كان البشر منذ لحظاتهم الأولى على الأرض يسعون في بحث محموم عن سبل تمتد فيها أرواحهم إلى خارج أجسادهم، فتتوسع وتتجسد على هيئة حروف ونغمات ورسومات. لذلك، طالما هم يجوبون هذه الأرض، وبالرغم من كل العناصر المتغيرة، ستبقى هذه الرغبة حية وحاضرة، وتأبى إلا أن تظهر بطريقة أو بأخرى.

الكتابة الآلية عن كثب

لا أعتقد أنه من العقلاني أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي كعدو أو خصم يجب هزيمته، بينما هو في الحقيقة واقع آن لنا أن نتعايش معه ونفهمه ثم نوظفه. في ظني أن رفضه بالكامل أشبه بمن منع نفسه من ركوب السيارة بعد اختراعها خوفًا من أن تفقد ساقاه قوتهما. فانتهى به المطاف بساقين قويتين وذهن صاف، لكن الكثير من الوقت المهدر والفرص الضائعة.

دعونا نحاول دراسة كتابة الآلة بحيادية، والنظر إليها عن كثب بأعين الناقد الأدبي لا الكاتب الحانق. تتفوق كتابة الذكاء الاصطناعي في أنها غالبا ما تنتج نصوصا واضحة، سليمة التركيب، وسريعة الإنجاز إلى حد يستحيل مجاراته. كما أنها بارعة في النصوص العملية مثل الشرح، والتلخيص، والمحاضر، وقادرة على إعادة الصياغة وتوليد النسخ المتعددة بلا ملل أو تذمر.

ومن باب الدقة وليس الاستنقاص، فما يفعله الذكاء الاصطناعي أقرب إلى «صفّ الكلام» منه إلى الكتابة. لا أكثر من ذلك ولا أقل. وهذا هو السبب خلف الجمود والملل الذي تتسم به نصوصه. فهو لن يعطيك رأي جديد ومتفرد، إنما سيأخذ كل ما كُتب سابقًا ويعيد تدويره. نعم قد يكون مُتمكن من الحفاظ على ذات النبرة والأسلوب عبر نصوص طويلة، لكن هذه النبرة والأسلوب هي الوحيدة التي يتقنها. جرّب أن تطلب منه الكتابة بأسلوب كاتب معين، سيفعلها وستندهش في البداية، ثم ستدرك سريعًا أن «صوت الآلة» لا يأبى إلا أن يظهر من خلال «بل»، والكلمات على وزن «يُفعل»، والتشبيهات والاستعارات التي إما أن تكون مبتذلة أو غير منطقية، والإسراف في التنوين، والشرطات، والصياغات المُترجمة من اللغة الإنجليزية. 

إذًا فالكتابة الآلية قد تكون خيار ممتاز في أنواع محددة من النصوص، لكن لها عيوبها الواضحة، وإدراكك لحدودها يمنحك قدرة أفضل على الاستفادة منها بذكاء. 

المعادلة الذهبية

من واقع تجربة، توصلت لاستنتاج أن كتابة الآلة لا تستطيع أن ترقى لكتابة الإنسان في النصوص التي تتطلب وجود شخصية وروح الكاتب بين سطورها. لكن ما يمكنها فعله هو أخذ نص شبه مكتمل وتحويله إلى نتيجة نهائية تقف على مشارف الكمال. المعادلة الذهبية في نظري تكمن في اتباع الخطوتين التاليتين: 

أولًا: أكتب أنت المسودة الأولى، ضع فيها أفكارك وصوتك ووجهة نظرك، لا تتكاسل عن هذه الخطوة فأنت بهذا لا تغتال الكاتب بداخلك وتتأكد من ابتعاد النتيجة النهائية عن جمود وتكرار كتابة الآلة.  

ثانيًا: تعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي بحذر وذكاء، لا تسلمها «الخيط والمخيط» ولا تلعب معها لعبة التأويل والغموض. كن واضح ومحدد في دور المحرر الذي تريدها أن تلعبه وفي شكل المُخرج النهائي الذي تتوقعه. هكذا تكون قد اختصرت جهد التحرير وحافظت على اعتبارك وسيادتك ككاتب، واستخدمت الأداة لتعاونك وليس لتستبدلك. 

الشكل الجديد لمهنة الكتابة

الحقيقة معشر الكُتاب، أننا قد عبرنا الجسر بالفعل، وانتقلنا إلى ضفة تختلف تمامًا عن تلك التي تركناها. أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي قلبت الموازين وغيرت المسار للأبد. لم يعد مشهد الكتابة كما كان، وحتمًا لن يعود كما كان. هل تنتهي مهنة الكتابة على يد الذكاء الاصطناعي؟ الجواب هو: جزء منها، وليس كلها. 

لن تنتهِ مهنة الكتابة، لكنها ستأخذ شكل جديد؛ شكل أكثر إنسانية. سنترك لأدوات الذكاء الاصطناعي -أو بالأحرى ستأخذ هي قسرًا- أنواع الكتابة التي لا تتطلب حضور وجداني لكتابتها، مثل: الأخبار، والبيانات الصحفية، والأدلة الإرشادية والتقنية، والتقارير المالية والإحصائية، والعقود، والمراسلات الروتينية، وما شابه. بينما سنحتفظ نحن بتلك التي تستلزم انغماس عاطفي وتجربة إنسانية حقيقية، وتكتسب قيمتها من وجود روح كاتبها بين حروفها، مثل: الشعر، والروايات، والمذكرات، والسير الذاتية، ومقالات الرأي. وسنظل نكتب، إن لم يكن للعالم، فلأنفسنا، ولما تفعله الكتابة لأرواحنا. 

ختامًا

سيتكلف الناس ويقرأون ما كتبت، إذا أدركوا أنك تكلفت وكتبته بنفسك. أترك للذكاء الاصطناعي ما يتقنه، والتفت لما لا يستطيع غيرك أن يُنتجه؛ تلك الكلمات النابعة من تجربة عشتها أو ألم تجرعته.

جميعنا اليوم نستخدم النماذج ذاتها، ونكاد نختنق في زحام المحتوى الذي يُولد من خلالها، لذلك نعم نستطيع تمييز أنماطه و«لزماته» بسهولة. وإذا أردت لأعمالك أن لا تندثر، فالسبيل الوحيد هو أن تتأكد من أن بصمتك، ورأيك، وصوتك حاضرة بوضوح فيها من خلال الحرص على كتابة المسودة الأولى بنفسك، ثم الاستعانه بالذكاء الاصطناعي للتحرير والمراجعة. هكذا، وهكذا فقط، تبقى أمام أعمالك الكتابية فرصة للتميز والوصول.

مجتمع POVمساحة لكُتاب المحتوى العاملين في وكالات التواصل والإعلام والتسويق، لتبادل الخبرات والآراء ووجهات النظر حول موضوعات متنوعة.

الذكاء الاصطناعي - Artificial Intelligence

الذكاء الاصطناعي - Artificial Intelligence

تقنيات تتيح للأنظمة الحاسوبية محاكاة التفكير البشري، مثل التعلّم واتخاذ القرار وإنشاء المحتوى.

تخصيص الأسلوب - Style Personalization

تخصيص الأسلوب - Style Personalization

عملية ضبط أسلوب الكتابة ليعكس شخصية الكاتب أو هوية العلامة التجارية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

البصمة الوجدانية للنص - Emotional Footprint

البصمة الوجدانية للنص - Emotional Footprint

الروح، والصوت الذاتي، والتجربة الإنسانية الحية التي يغرسها الكاتب بين حروفه، والتي تعطي النص قيمة استثنائية تعجز النماذج الآلية عن تكرارها.

اقرأ المقال التالي