
كيف حضرت «المواتر» في القصائد تسويقيًا؟
بوصف الشعر أهم أداة تسويقية في ثقافتنا المحلية، كيف استطاع الشعراء أن يرفعوا مكانة مواترهم ويسوقوا لها؟
تبدأ حكاية الشعر والإعلان، في معظم ما كُتب عنها، من الخمار الأسود، تروي الحكاية أن تاجرًا قدم إلى المدينة بأخمرة نسائية، فنفدت جميع الألوان وبقي الأسود لا يجد من يشتريه، فلجأ إلى مسكين الدارمي، فأنشد:
قل للمليحة بالخمار الأسودِ
ماذا فعلت بناسكٍ متعبدِ
قد كان شمّر للصلاة ثيابه
حتى وقفتِ له بباب المسجدِ
ردّي عليه صلاته وصيامه
لا تقتليه بحق دين محمدِ
وشاع أن الدارمي ترك نسكه بعدما رأى صاحبة الخمار، فأقبلت النساء على شراء اللون الذي رده الناس من قبل. تفاصيل الحكاية موضع شك، حتى إن المصادر ترويها بصيغة «يُحكى»، غير أنها تصلح لفهم الفكرة التسويقية: ركد المنتج بسبب المعنى الذي علق به في أذهان الناس، ثم ربطته الأبيات بصورة المرأة التي تفتن الناسك، فاكتسب قيمة استجدت فيه. هذا ما يسميه المسوقون اليوم إعادة التموضع، وقد تناقل الناس المعنى الجديد بأنفسهم؛ فالتاجر احتاج إلى قصيدة واحدة، وتولى الرواة بقية الحملة.
للشعر العربي صلة قديمة بما يلبسه الناس ويركبونه ويقتنونه، فرفع قدر سيوف وخيول وغيرها، وقرن بعضها ببلاد صنعتها أو رجال امتلكوها، وكان البيت الشعري، بفضل الوزن والقافية وسهولة الرواية، وسيلة قادرة على حمل اسم الشيء وصفته من مجلس إلى آخر، وبالمصطلحات المعاصرة، جمع الشعر بين صناعة الصورة الذهنية والكلام المتناقل عن المنتج.
«يا راكب اللي»
ومن أشهر أبواب ذلك قصائد المراسلات التي تستهل بقول الشاعر: «يا راكب اللي». قبل أن يذكر الشاعر رسالته، يصف الركوبة التي ستبلغ بها؛ سرعتها، وصبرها، وسلامة سيرها، والطريق الذي ستسلكه، فيقول سعدون العواجي:
يا راكبٍ من عندنا فوق مهذاب
مأمون قطّاع الفيافي إلى أنويت
عند الفضيلة عدّ يومين بحساب
أول قراهم قول يا ضيف حيّيت
المهذاب هو السريع في عدوه، و«المأمون» وصف للاعتمادية، ثم تأتي مدة الرحلة دليل على الأداء. هكذا اجتمعت في أربعة أبيات ثلاث منافع يعرفها كل من يختار وسيلة نقل: السرعة، والأمان، والقدرة على قطع المسافة في وقت معلوم.
كانت غاية سعدون إبلاغ رسالته، فبقي وصف هذه المطالع بالإعلانات نوعًا من التوسع؛ فقيمتها التسويقية أوسع من قصد الشاعر: صنعت قاموسًا لتقييم الركائب، ورسخت الصفات التي ترفع قدر واحدة منها على الأخرى، وحين دخلت السيارات إلى البلاد، انتقل هذا القاموس معها، ثم اتسع ليضم المصنع والمكينة والوكيل وقطع الغيار.
المواصفات داخل القافية
وجدت السيارة قالب «يا راكب اللي» جاهزًا لاستقبالها، فحل اسم المصنع محل نسب المطية «الماشية»، وصارت المكينة موضع القوة، وأخذ صوت العادم مكان صوت العدو. يقول سعد بن جدلان في وصف وانيت أمريكي:
يا راكب اللي صممته الولايات
اللي أمريكا فالمصانع تصبّه
أكبر مكينة سقطت للونيتات
خمسة صفر واحد ودبة ودبة
ما يصدر إلا عن طريق الوزارات
حتى أسبيراته تجي فـي صطبه
يبدأ بن جدلان بتحديد بلد المنشأ، وفئة المركبة، وحجم المكينة، ثم يزيد في بقية القصيدة أن الوكالات أخذتها «بالجدول السري». تبدو المبالغة واضحة، وهي مبنية على إشارات تسويقية.
كان بلد المنشأ يمنح المنتج صورة عن جودة الصناعة الأمريكية، وحجم المكينة يقدم سببًا محسوسًا لتوقع القوة، وذكر الوزارات يضفي اعتمادًا مؤسسيًا على السيارة؛ فاختيار الجهات الرسمية لها يرفع الثقة بها عند السامع، وتضيف ندرة التصدير والجدول السري مسحة من الحصرية، وحضرت قطع الغيار في القصيدة لتجيب عن سؤال ما بعد الشراء. وبهذا تكاد الأبيات وما يليها تؤدي وظيفة صفحة المنتج: منشأ، ومواصفة، وتوزيع، وتوفر للصيانة.
وتبلغ المعرفة التقنية مبلغًا أوضح في أبيات أوردها إبراهيم الخالدي منسوبة إلى حميد الذيابي:
يا راكب اللي حرف جي إم يزهاه
لا دق سلفه غاديٍ له هديري
ضغط المكينة يوم صُنعت بمنشاه
أربع مية وأربع وخمسين غيري
دخلت حروف «جي إم» والرقم 454 إلى صدر البيت، وهما من رموز العلامة التي يفهمها جمهور السيارات، الرقم يحدد فئة المكينة، والحروف تحدد الصانع، والهدير يمنح السامع تجربة حسية للمنتج، المدح هنا مسنود برقم وصوت؛ فكأن الشاعر يقدم البرهان مع الوعد.
صوت السيارة مهم تسويقيًا لأنه من العلامات التي يتعرف بها أصحاب الخبرة على القوة قبل رؤيتها، وقد حولته القصيدة إلى مشهد سمعي يبدأ من «دقة السلف»، ويمتد إلى تخيل الشاعر أن السيارة لو زودت بجناحين لطارت.
الثقة في السعر
تقترب بعض القصائد من لغة البيع المباشر، كما في قول عبدالله بن دهيمش بن عبار:
يا راكب اللي عارفٍ مبلغه بيش
عزاه للمفلس يمرّه على ماش
ما يشتريه اللي أموره تناويش
متعنّدٍ راعيه يبي الثمن كاش
من البيت الأول يدخل السعر في حساب السامع، ثم يحدد الشاعر نوع المشتري القادر على امتلاك السيارة، ويكشف شرط الدفع نقدًا، وعبارة «عزاه للمفلس» تضعها في مرتبة يبلغها القادرون وحدهم، فتمنحها قيمة معنوية إلى جانب قيمتها العملية، ويظهر تقسيم الجمهور بحسب القدرة الشرائية، ويصبح غلاء الثمن جزءًا من مكانة المنتج.
ثم يطمئن الشاعر السامع إلى أن السيارة سلمت من الورش، وبعدت عن حراج يزايد فيه «المغاشيش»، وجاءت من الميناء على عجلاتها دون ونش، هذه التفاصيل تعالج مخاوف المشتري في سوق المستعمل: الحوادث، والإصلاحات الخفية، والتلاعب في المزاد، وغموض تاريخ المركبة؛ فمنشأ السيارة ومسار وصولها يقومان مقام سجل الملكية والصيانة.
توضح هذه الأبيات جانبًا كثيرًا ما يغيب عند الحديث عن التسويق. تحتاج الرغبة إلى سند يطمئن المشتري في سوق تحيط به الشكوك؛ فمهمة البائع تشمل خفض المخاطر التي يتخيلها، وقد فعل ابن عبار ذلك قبل ظهور تقارير فحص السيارات، فقدم أسباب الثقة داخل القصيدة نفسها.
اسم الوكيل كاسم للموتر
مع السيارة دخلت أسماء الشركات والوكلاء إلى القافية، ومن أشهر ذلك قصيدة سعد بن جدلان في الجمس الأحمر الذي كانت تستورده شركة الجميح:
يا زين الجميحي لا سرى والعباد أخفوت
يبي لازمٍ متغانمه قبل لا يفوته
لا منه أنعس السالي وسجّوا هل البيلوت
وقام يتمخلص تحت رجلك تقول حوته
يسمي ابن جدلان السيارة «الجميحي»، فينتقل اسم الوكيل إلى المنتج ويصبح وسيلة للتعريف به، هذه منزلة تسويقية كبيرة للوكيل؛ إذ يرتبط في ذهن الناس بنوع مخصوص من السيارات وصفة معلومة فيها، حتى يغني اسمه عن الشرح.
ثم تأخذ القصيدة السامع إلى تجربة القيادة، الجمس يسري ليلًا، ويتملص تحت القدم كالحوت، ويظهر لونه تحت القمر كالياقوت، تتكون حوله مناسبة استخدام كاملة: طريق هادئ، وخوي، وليل، واستجابة يشعر بها السائق تحت قدمه، وفي هذا المستوى يكتسب المنتج معناه من الحياة التي سيصحب مالكه إليها.
القصيدة كضد للمنتج
لم يكن الشعر دائمًا في صف السيارة، فقد حفظ التذمر منها كما حفظ الافتتان بها، ومن ذلك ما قاله صالح بن إبراهيم الجارالله بعد رحلة متعبة في سيارة «بكس» من الرياض إلى بريدة:
الدرب لو هو يوم يحطّه خمس
حلفت أنا ما أركبه عبري
البكس ما أبيه هو والتكس
لو أنهن ياصلن بدري
يعترف الجارالله للسيارة بميزة واضحة: إنها تصل مبكرًا، غير أن هذه الميزة لم تعوضه عن سوء تجربة الركوب، فخرج منها رافضًا تكرارها، بهذه الأبيات القصيرة نقرأ مراجعة مستهلك تضع المنفعة المعلنة أمام التجربة الفعلية، وتنتهي بتوصية سلبية سهلة الحفظ.
وهذه إحدى طبائع الكلام المتناقل عن المنتجات: لا يستطيع البائع التحكم فيه بعد خروجه إلى الناس، فالأبيات التي رفعت قدر الجمس الأمريكي قادرة على الإضرار بسمعة «البكس».
كيف كانت القصيدة تسوق؟
لو سمينا النصوص بمفردات اليوم، لكانت قصيدة بن جدلان في الوانيت شهادة مستخدم متحمس يسند حماسته إلى بلد المنشأ، وأبيات الذيابي عرضًا لرموز العلامة وأرقامها، وأبيات ابن عبار وصف بيعي يخفض مخاطر الشراء ويعالج اعتراضات المشتري، وقصيدة «الجميحي» صناعة لصورة العلامة عبر اسم الوكيل، وأبيات الجارالله مراجعة سلبية لتجربة العميل. يجمعها باب واحد هو الاتصال التسويقي، وتتباين مواقفها من المنتج ودرجة قربها من البيع. جاءت المصطلحات بعد الشعراء، وقد التقطوا قبلها ما يشغل المشتري ويبني سمعة المنتج في السوق.
وقد ساعد الشعر على أداء هذه الوظيفة بثلاث خصائص: يسهل حفظه، ويصدر غالبًا عن تجربة يرويها صاحبها، ويمنح المواصفة الجافة صورة يمكن تخيلها. ولهذا تستحق قصائد «يا راكب اللي» أن تُقرأ ضمن تاريخ التسويق المحلي، فهي تسجل الطريقة التي كان السوق يتحدث بها عن منتجاته قبل ظهور أقسام التسويق وكتّاب الإعلانات.