هناك سؤال يتكرر عند البحث عن وظيفة، أو التوظيف: هل حصولي على فرصة طريق شخص أعرفه يعد علاقة مهنية، أو واسطة؟
الفرصة قد تأتيك عن طريق زميل سابق، أو شخص التقيته في مؤتمر، أو صديق أخبرك عن وظيفة شاغرة، وقد تأتيك أيضًا من قريبك الذي يعرف مسؤولًا في جهة ما، في الحالتين كان هناك شخص أو علاقة كانت جزءًا من الرحلة، ولكن الشخصين مختلفين كحالة، فوصف الواسطة بالعلاقات هو وصف ناقص، وصارت الواسطة هي الوصف المحلي للعلاقات، فما الفرق بين الواسطة والعلاقات فعلًا؟
العلاقات جزء من الحياة المهنية
من الطبيعي أن تؤثر العلاقات في مسارك المهني، فالحياة المهنية قائمة على التعامل مع الناس ومعرفة من حولك بمجالك، والفرص لا تأتي دائمًا بالطريقة التقليدية، فقد يعرف شخص أنك تبحث عن وظيفة، ويخبرك عن شاغر لديهم قبل أن تراه على أي منصة توظيف، وقد يتذكر مدير سابق جودة عملك، فيرشحك لجهة تبحث عن شخص يملك مهاراتك، وبالتأكيد قد تتعرف على أحدهم في فعالية ما أو مؤتمر وتستمر علاقتكما حتى تظهر فرصة مناسبة لأحدكم.
كل هذه مواقف واقعية وتحدث يوميًا، فالهدف من بناء العلاقات المهنية أن يعرف الناس من أنت، وماذا تعمل، وما الذي تجيده، وما المهارة التي تتفرد بها عن نظرائك، وعندما تأتي فرصة مناسبة تكون في تفكير الشخص، فيرشحك لها.
الاسم أقوى من مهاراتك
تخيل أن يقول لك أحدهم: «قدم، وأنا أكلم أبو محمد»
غالبًا لن تحتاج لتحديث سيرتك الذاتية، ولا التأكد من حسابك في لينكدإن، حتى المقابلة الشخصية لن تستعد لها، فأنت تعرف «أبو محمد» واسمه كفيل بأن يضمن لك الوظيفة، علاقتك في «أبو محمد» لم تصبح طريق للفرصة، وإنما هي السبب الأساسي في حصولك عليها، فحتى خبرتك أو تخصصك أو جودة عملك، جميعها ليست مهمة هنا.
هذا هو الفرق الذي يغيب أحيانًا وسط استخدام كلمة العلاقات لوصف كل شيء: فالمشكلة ليست في استخدام علاقاتك لجذب الفرص، ولكنها في تأثيرها على قرار التوظيف، فإذا ساعدتك العلاقة على الوصول فهذا جزء طبيعي من الحياة المهنية، وأن حسمت العلاقة «الواسطة» حصولك على الوظيفة فهذا فعل غير طبيعي، وخاطئ بالتأكيد.
الاستعداد قبل الإعلان
من الأدوار المهمة للعلاقات أنها قد توصلك للمعلومة قبل أن يعلن عن أي شيء، فقد تعرف من شخص في مجالك أن فريقًا ما يستعد للتوسع، أو أن شركة تبحث عن مهارة معينة، أو أن وظيفة ستفتح قريبًا، بكل الحالات السابقة لم تحصل على الوظيفة ولكنك حصلت على شيء مهم وهو: الوقت الإضافي للاستعداد لها، وهو ربما الجزء الأهم في العلاقات المهنية، أن تعرف ماذا يحدث في المجال، وأن تصل إلى معلومات وأخبار غالبًا لن تنشر.
ربما سيسأل أحدهم هنا سؤال أخلاقي: إذا كان شخصان يملكان الكفاءة نفسها، وأحدهما عرف بالفرصة قبل الآخر لأنه يعرف أشخاصًا في المجال، فهل هذا ظلم للآخر؟ أو أن معرفة ما يحدث في سوق العمل جزء طبيعي من بناء المسار المهني؟ ربما لا أستطيع أن أعطي إجابة واحدة ومطلقة، إلا أنني أعرف أن سوق العمل يتحرك بهذه الطريقة، فأن كنت متأكدة أن الواسطة خطأ أخلاقي وقانوني، فلست أعرف هنا الجواب لهذا السؤال، ولكن علينا كعاملين في سوق العمل أن نتماشى مع قوانينه ومتغيراته، فمعرفة ماذا يحدث في سوق العمل قد تعد كفاءة أعلى ممن لم يعرف.
المشكلة أكبر من «أبو محمد»
من السهل أن نضع اللوم كله على أشخاص، هذا استخدم واسطته، وهذا وظف قريبه، وهذا وهذا، لكن ماذا لو كانت المشكلة في الطريقة التي تدار بها الفرص من الأساس؟ فإذا كانت بعض الوظائف لا تعلن أصلًا، ومعايير الاختيار ليست ثابتة وغير واضحة، والمتقدم نفسه لا يعرف لماذا قد يختار أو يرفض، عندها من الطبيعي أن تصبح العلاقات والواسطة أكثر تأثيرًا من أي شيء آخر.
المشكلة عندما تصبح العلاقات الطريق الوحيدة لمعرفة الفرص أو الوصول إليها، فيوميًا نشاهد آلاف المنظرين في «إكس» والبودكاست، حول أهمية العلاقات، وشاهدنا الرغبة العارمة في الذهاب لمؤتمر «ليب» طمعًا في العلاقات، أن المشكلة اليوم ليست مرتبطة بشخص واحد، ولكن في النظام بشكل عام، بأن تجعل بعض الأبواب مرئية أو حتى مفتوحة لبعضهم، والآخر لا يعرف عنها ولا يستطيع المنافسة حتى،
الاعتماد على العلاقات والواسطة يضر في المقام الأول الخريج والحديث في سوق العمل، فالعلاقات تقوم على تبادل المنفعة بشكل رئيس، والخريج في بداية مساره قد لا يملك بعد ما يضيفه للآخر بشكل واضح، فيذهب للمؤتمرات والمعارض بحثًا عن العلاقات قبل أن يعرف بالضبط ما الذي يمكن أن يقدمه للطرف الآخر.
ويجب أن لا يفهم هنا أنني ضد العلاقات بعمومها، فقد أستفيد شخصيًا منها ولن أرفض ذلك بالطبع، ولكنني أرفض أن تكون الوسيلة الوحيدة للتوظيف.
