كيف تطلع بفائدة من تدريب سيء؟
مرحلة تجمع بين الحماس والخوف في آن واحد، وتعلق عليها الكثير من التوقعات، لكن الواقع لا يأتي دائمًا كما تخيلت. فكيف تخرج من التجربة بقيمة، رغم كل الظروف؟

التدريب، «الوحش الأخير» أو (Final Boss) الذي ينتظرك قبل التخرج. المرحلة التي تجمع بين الحماس والخوف في آن واحد. هو احتكاكك الأول بسوق العمل، وأول مذاق للمسؤولية التي سترافقك لبقية حياتك. تجربة ستختبرك كثيرًا، وتدفعك لطرح أسئلة أكثر. فكيف تخرج منها بقيمة حقيقية، حتى لو لم تكن كما توقعت؟
يختلف التدريب من جامعة إلى أخرى من حيث المدة. يتراوح غالبًا ما بين ستة إلى سبعة أشهر، وأحيانًا أقل. كلما طالت مدته، زادت فرصتك في التعلم والتجربة. خلال هذه الفترة ستتعلم كيف تتأقلم مع بيئة العمل، وتنتقل تدريجيًا من مقاعد الدراسة إلى واقع مختلف تمامًا تبني من خلاله مستقبلك.
البحث عن المكان المناسب
أول خطوة قبل أن تبدأ تدريبك هي اختيار المكان. مكان يمنحك خبرة حقيقية، ويضيف لك مهارات ومعرفة تخدمك في بقية مسيرتك. وللوصول لهذا المكان، تحتاج أن تبحث بوعي ولا تعتمد على الآراء المتداولة.
ابدأ بالسؤال عن طبيعة التدريب داخل الجهة التي تنوي التقديم عليها. هل يوجد برنامج واضح للمتدربين؟ هل يتم إشراكهم في مهام حقيقية أم تقتصر تجربتهم على الملاحظة؟ حاول أن تتواصل مع متدربين سابقين او ناس مقربين لك يمكنهم مساعدتك و اسألهم عن نصائح قد تفيدك في البدايات.
انظر أيضًا إلى بيئة العمل نفسها. هل هي بيئة تساعد على التعلم؟ هل الفريق متعاون؟ هل هناك فرصة للاحتكاك بأقسام مختلفة؟ هذه التفاصيل تصنع فرقًا كبيرًا في تجربتك اليومية.
ولا تنسَ أن تسأل نفسك. ما الذي تريد أن تتعلمه تحديدًا؟ ما المهارات التي تبحث عنها؟ هل هذا المكان يتوافق مع رؤيتك المستقبلية؟ كلما زاد وضوحك مع نفسك، أصبح اختيارك أدق.
ومع ذلك، من الوارد جدًا أن تختار مكانًا بناء على مدح الآخرين أو من خلال بحثك، ثم تكتشف أن تجربتك مختلفة. هذا لا يعني نهاية الطريق أو الفشل، فهنا يبرز دورك الحقيقي في استغلال التجربة و اثبات نفسك ومحاولة الاستفادة من التجربة قدر الإمكان.
مكافحة الفراغ
ستمر عليك أيام بلا مهام واضحة. وستشعر أن يومك ناقص ووقتك ضائع. هذا الشعور طبيعي، ويمر حتى على الموظفين، فكيف بمتدرب؟
في هذه اللحظات، لا تنتظر. المبادرة هنا هي العلامة الفارقة، بادر بالسؤال داخل قسمك، واطّلع على الأقسام الأخرى، وابحث عن مهام تستطيع أن تساهم فيها. قد تبدأ بمساعدة بسيطة تفتح لك بابًا لفهم أعمق لما يجري حولك.
أحيانًا يكون الفريق مشغولًا، ولن تجد من يوجهك مباشرة، أكبر خطأ قد ترتكبه في هذه اللحظة هو الركود والانتظار. في هذه الحالة بإمكانك تفعيل ما يسمى بـ «وضعية الاسفنجة» أي التعلم بالملاحظة، في هذه الوضعية أنت تدرب نفسك على تشّرب كافة المعلومات بدون أن يتم تلقينها لك بشكل مباشر، فتلاحظ تصرفات الفريق، طريقة تنفيذهم للمهام، إدارتهم للأزمات، وتتعلم منها دون أن تكون مُوجهه لك. و الأهم من هذا كله أثناء تدريبك وحتى في المستقبل, اكتب ملاحظاتك كلما تعلمت شيئًا جديدًا. فالكتابة تساعد في تثبيت المعلومة وتذكرها، وستبقى هذه الملاحظات بمثابة مرجع ثمين تشكر نفسك عليه.
كما يمكنك استثمار وقتك في التعلم الذاتي، ابحث عن منصات تعليمية، و أسأل فريقك عن برامج تعليمية تفيدك في مجالك الحالي وعن المهارات التي تحتاج التركيز على تقويتها. وتذكر، كل ساعة تستثمرها الآن ستجني ثمارها لمدة طويلة لاحقًا.
وفي المقابل، ستواجه أيامًا مزدحمة وشديدة الضغط في العمل، وهذا أيضًا جزء من التجربة. إدارة نفسك ووقتك بين لحظات الفراغ والضغط هو مهارة بحد ذاتها. لا تدع أيًا منهما يربكك أو يثنيك.
من سأل ما ضاع
جوهر التدريب هو الفهم. وفهمك يبدأ بالسؤال. لا تكتفِ بتنفيذ المهام وحاول أن تفهم دور الشركة وكل قسم فيها ولماذا تُنفذ المهام بالطريقة التي تُنفذ بها.
اسأل عن كل ما يمر عليك. ما الهدف من هذا المشروع؟ كيف يتم اتخاذ القرار هنا؟ ما دور كل قسم؟ كيف يقاس نجاح العمل؟ ما الأخطاء الشائعة التي يجب تجنبها؟ كيف يمكنني أن أطور أدائي في هذا المجال؟
مع الوقت، ستساعد أسئلتك في بناء طريقة تفكيرك. ستبدأ بربط الأمور ببعضها، وتكوين رؤية أوضح عن المجال الذي تعمل فيه.
تبني ثقافة السؤال لا يعني طرح الأسئلة بشكل عشوائي. راقب، فكر، ثم تسأل. هذا النوع من التساؤل هو الذي يسرّع تعلمك، ويجعلك تستفيد من كل موقف تمر به. مع مرور الوقت، ستتضح لك إجابات أكبر: هل هذا المجال يناسبك؟ هل ترى نفسك في هذه البيئة؟ هذه الإجابات لا تأتي بسرعة، لكنها تتشكل تدريجيًا مع كل سؤال وتجربة.
العلاقات هي رأس المال
إلى جانب المهام والتعلم، تبقى علاقات العمل الأكثر تأثيرًا في تجربتك. تعاملك مع مدرائك وزملائك ينعكس بشكل مباشر على تقييمك الجامعي و الشخصي، وقد يؤثر على فرصك المستقبلية.
على الرغم من أهمية الدورات ومهاراتك للحصول على وظيفتك الأولى إلا أن علاقاتك هي ما يؤهلك فعلًا، فالواقع يقول أن التوصيات (الواسطات) أقوى من أي شهادة ومعدل جامعي.
تجنب قدر المستطاع ما يحدث من مشاكل في مكان تدريبك بين الموظفين كي لا ينعكس هذا عليك وعلى صورتك في مكان العمل، فلا يوجد مكان يخلو من المشاكل، لكن حاول أن تبتعد عنها قدر الإمكان، وانظر لها كمشتتات تثنيك عن هدفك الحقيقي، وتذكر أن الانغماس في «القيل والقال» والتفاصيل الشخصية والجانبية يعني ببساطة أنك قد حكمت على تجربتك بالفشل.
ستصادف في بيئة العمل أشخاصًا على اختلاف طباعهم؛ فمن وجدت فيه القدوة والكفاءة، فاحرص على بناء علاقة جيدة معه وتعلم منه. أما من كان غير ذلك، فأبقِ علاقتك معه ودية وهادئة، بعيدًا عن التوتر والاحتكاك. فالموظفون في تنقل مستمر، والوسط المهني أصغر مما تتخيل، وآخر ما تريده في بداية مسيرتك هو أن تخلق عداوات لا داعي لها.
في النهاية،
ليست كل تجربة غير مثالية تعني نتيجة سيئة. أحيانًا تكون هذه التجارب هي التي تُظهر اجتهادك وحرصك. اسأل، جرّب، أخطئ، وتعلم. اذهب إلى المهام قبل أن تأتي إليك، وابقَ قريبًا ممن حولك، فهذه المرحلة قصيرة، قد يمتد أثرها طويًلا. و اثباتك لنفسك هو ما يميزك عن غيرك في هذه التجربة، الناس ستلاحظ مثابرتك ومحاولاتك ولكل مجتهد نصيب. ولا تثقل على نفسك بالتوقعات المستحيلة، فأنت مستجد في هذا المجال ومع التعلم والمثابرة ستصل إلى ما تطمح له، وأبعد.