كم الراتب الذي تستحقه بعد التخرج؟
ربما يكون الراتب من أكثر الموضوعات المسكوت عنها في مجتمعنا؛ فالعرف ينص على أن السؤال عنه مُعيب، والجميع ينصحك بإخفائه. ومع ذلك، يظل لدى كثيرين معيارًا للنجاح. فهل أصبح ما نتقاضاه جزءًا من قيمتنا؟

ربما يكون الراتب من أكثر الموضوعات المسكوت عنها في مجتمعنا؛ فالعرف ينص على أن سؤال الشخص عن راتبه مُعيب، وتجد الجميع ينصحك بضرورة إخفائه عن زملائك، وربما عن أصدقائك، وقد تمتد النصيحة لتطال أهلك. وفي الوقت ذاته، تسمع موظف الموارد البشرية في بودكاست ما ينبّه على أهمية التفاوض مع كل عرض عمل يصلك. فكيف تتعامل مع هذا الشيء الأسطوري، الشيء الذي يُشغلنا لكن لا يُسمح لنا بالحديث عنه، الشيء الذي نعمل ونكدّ من أجله، وقد نذوب وننسى اهتماماتنا وهواياتنا فداء له.
اجعل سلاحك قيمتك وليست شهادتك ومعدلك
الشهادة وحدها قد توصلك المقابلة إن كنت محظوظًا ذلك وأن ملف الأعمال والتوصيات «الواسطات» أقوى بكثير منها لذا أعمل على علاقاتك وأعمالك حتى وإن كانت لمشاريع تجريبية. في المقابلة لن يسألوك عن كيف حفظت للأختبار ولن يذهلون من قدرتك على حصد الدرجة الكاملة في الاختبار النصفي، سيسألونك: ماذا يمكن أن تقدم لنا؟ ما المهارات التي تمتلكها؟ سوق العمل لا يفكر بمنطق الجامعة، الجامعة كافأتك على الحفظ ونتائج الاختبارات، السوق يكافئك على المشكلات التي تحلها والقيمة التي تضيفها. لهذا الخريج الذي بنى مشاريع صغيرة وجرّب وأخفق وتعلم، يفاوض من موقع قوة مقارنة بمن لا تتجاوز قيمته معدله الجامعي.
قبل أي مقابلة، اسأل نفسك: ما المشكلة التي أحلها؟ وما القيمة التي استطيع إضافتها؟ وتذكر خلال السنوات الثلاث الأولى من مسيرتك الوظيفية، لا تمنح الراتب أولوية؛ لأن ما تبنيه من خبرة قد يكون أكثر أثرًا على المدى البعيد.
قيمتك براتبك؟
«الفلوس» مهمة نعم، لا نختلف على ذلك، وسنوات الدراسة بضغطها وضيقها المادي تجعل أول راتب يبدو أكبر من مجرد رقم، فهو بمثابة تأكيد أنك أصبحت شخصًا ذا قيمة في نظر المجتمع والأهل وربما في نظرك أنت.لكن هذه النظرة تخلط بين شيئين مختلفين. الراتب قد يحدد وضعك المادي، وهذا حقيقي ومهم. أما قيمة عملك فهي موضوع آخر.
ثمة من يجد قيمته في العمل الثقافي، لأنه يرى أثره في الوعي الذي يُبنى، وفي الأفكار التي تُزرع وتبقى، وثمة من يجدها في الابتكار، لأن ما يمنحه الرضا هو أن يضيف شيئًا لم يكن موجودًا، أو يقدّم حلًا مختلفًا عن ما اعتاده الناس. ولا أتحدث هنا عن القيمة وحدها، وإنما عن المتعة التي تشعر بها حين تؤدي هذا العمل أيضًا. شركتك لن تكترث لهذه الأشياء حين تقدم عرضها الوظيفي، لكنها تظل ذات قيمة حقيقية لك، حتى وإن لم تدركها اليوم ستدركها غدًا، حين يستحوذ العمل على معظم يومك وتسأل نفسك: ماذا قدّمت في حياتي؟ هل كان الراتب غاية أم وسيلة؟ وهل قدمت أكثر مما أخذت؟
الراتب مقابل البيئة
للبيئة السامة ثمن حقيقي لن يظهر في آخر الشهر، لكنك ستدفعه يوميًا: المدير الذي يُحبط أكثر مما يعلّم، وزملاء العمل الذين يتنافسون بدلًا من أن يتعاونوا، وثقافة تعاقب على الخطأ بدلًا من أن تتعلم منه. كل هذا يستنزفك ويسرق منك شيئًا أغلى من الراتب. في المقابل، البيئة الصحية تمنحك راتبين: راتبًا في نهاية الشهر، وراتبًا من الخبرة والنمو والعلاقات. والخريج الجديد يحتاج مكانًا يُسمح فيه بالخطأ، ويجد فيه من يعلّمه.
اسأل نفسك عند كل عرض عمّا لا يُكتب بوضوح في العقد: التأمين الصحي، والإجازات، وبرامج التطوير والتدريب التي تستثمر في نسخة أفضل منك بعد سنوات. هذه أشياء قد تغفل عن قيمتها، ولكنها قد تساوي قيمة راتبك كامل احيانًا.
أخيرًا، كم تستحق فعلًا؟
إن كنت خريجًا جديدًا في السوق السعودي، فالراتب المتوقع بناء على التقرير الصادر عن شركة «ذا بروفيشنالز» بالتعاون مع «اللجنة الوطنية للدعاية والإعلان» في المتوسط 7,500 ريال، وقد يقل في بعض القطاعات أو المدن ليصل إلى 5,000 ريال، وقد يرتفع في قطاعات أخرى ليقترب من 10,000 ريال. هذه الأرقام لعموم السوق ولكن كل اختصاص يملك متوسطة، مثلًا مجال المحتوى عامةً يبدأ من 7,500 ريال كمعدل متوسط أدنى، و 9,500 ريال بمتوسط عام، ومجال الفعاليات والمؤتمرات يزداد المتوسط العام إلى 10,000 ريال. واليوم قد تزداد رواتب بشكل عام مع قرار التوطين الأخير لمهن التسويق وتحديد 5500 ريال كحد أدنى للرواتب. ولكن المدينة والندرة التي يملكها المتقدم هي العامل الرئيسي في تحديد الراتب.

