
هل الوكالات الإبداعية تقتل الموهوبين؟
«إيجنسي» وصف يكفل لك أن تعرف كيف تجري شؤون العمل وآلياته، مكاتب مفتوحة، وجدران ملونة، وعبارات تحفيزية معلقة هنا وهناك، لكن السؤال الذي يتجاوز المظاهر: هل تقتل الوكالات الإبداعية المبدعين؟
لا أعتقد أن قراء «بلكونة» يجهلون ماذا تعني «إيجنسي»؛ وصف يكفل لك أن تعرف كيف تجري شؤون العمل وآلياته، وكيف تُدار الاجتماعات وتكتب العروض، وحتى أحيانًا كيف يلبس الموظفون ليُقال عنهم «كرييتف». صورة مكتملة في أذهاننا جميعًا: مكاتب مفتوحة، وجدران ملونة، وعبارات تحفيزية معلقة هنا وهناك، لكن السؤال الأهم بعد تجربتنا العريضة في المجال الإبداعي، وهو سؤال يتجاوز الديكور والمظهر إلى جوهر الصناعة: هل تقتل الوكالات الإبداعية المبدعين؟
حماسة البدايات
لنبدأ الرحلة من معايير اختيار الموظفين في الوكالات؛ يفضل أن يكون المرشح ذا عقل خلاق وأفكار متجددة وعضلة إبداعية لا تتوقف، وسيرة تحمل أعمال لافتة تشهد له بالتفرد، والأهم ما سيقال له عند قبوله: «أبد، أنت أبدع». وهنا ينضم المبدع إلى الوكالة وهو متحمس للانتقال الكبير في مسيرته حين يصبح في بيئة تشبه موهبته «سواء كان كاتب أو مصمم أو مصور أو مخرج»، فيأتي محمل بالفكر الإبداعي الذي يظن أن بإمكانه ترجمته على أرض الواقع في ما ينتجه مع الوكالة.
الأسابيع الأولى تشبه شهر العسل؛ الجميع يرحب به، والجميع ينتظر منه «اللمسة» التي وُظف من أجلها، وهو بدوره يجتهد ويقترح ويرسم في رأسه أعمال ستقلب السوق رأسًا على عقب، لكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟
ثلاث مطارق كبرى
أفكارك رهن رأي المخرج الإبداعي والعميل وهوية الشركة، وهذه الفكرة تغيب عن أذهان كثير من المبدعين الذين يدخلون بسلاح «أنا موهوب»؛ فيظن أحدهم أنه يكفي أن يكون كاتبًا فذًا أو شاعرًا ليكتب إعلان، أو أن يكون ذا نظرة بصرية فذة ليُخرج إعلان ما، والحقيقة أن الكتابة الإعلانية صنعة لها شروطها، تلتقي مع الموهبة الأدبية في الأدوات وتفترق عنها في الغاية؛ فالقصيدة تُكتب لصاحبها، والإعلان يُكتب لعلامة تجارية لها جمهور ورسالة وميزانية وموعد تسليم.
لهذا تحتاج الوكالة أحيانًا «نصف موهوب» أكثر من الموهبة الكاملة، والسبب ببساطة أن الموهوب شخص مزاجي عنيد يرفض أن يُهادن على فكرته – وهذه ميزة – فالموهوب الحقيقي لا يساوم على موهبته لأنها جزء من كيانه، في حين يمر «نصف الموهوب» من بين الملاحظات والتعديلات بسلام، ويسلم عمله في موعده، ويمضي إلى بيته مرتاح البال.
فما بالك بالموهوب وهو تحت رحمة ثلاث مطارق كبرى -المخرج الإبداعي والعميل وهوية الشركة- تطرق الفكرة حتى تهشمها، ثم تعيد صهرها بناءً على مقتضياتها، ثم تنتجها بالشكل الذي يريده العميل، تبدأ الحكاية بملاحظة صغيرة «لو نخفف الجملة الأولى شوي»، ثم تتوالى جولات التعديل حتى يعجز صاحب الفكرة عن التعرف عليها، وسيعودون إليه نهاية اليوم يشكرون له عمله رغم أن ملامح فكرته تبدلت كاملة. فيصبح في صراع بين «نزاهة الموهبة» التي تقتضي أن يرفض خروج عمل مطروق مصهور مباشر ممل من بين يديه، فيضطر إلى الاصطدام مع الوكالة «التي بدورها لن تنتظر معالي الموهوب حتى يعتدل مزاجه» حول رأيه الإبداعي -وهو في نظره ممتاز جدًا بالتأكيد- قبل أن يسمع أنهم لم يعودوا بحاجته، أو يُرغم على العمل كما يريدون، فيتحول من مبدع يقترح إلى منفذ يستقبل الطلبات، وهذه أقسى صور الموت البطيء في هذه الصناعة.
خط الرجعة
أنا هنا لا أشيطن الوكالات الإبداعية في نظر الموهوبين، ومن الحماقة عزيزي المبدع أن تعمم على الجميع بحديثك عن البعض؛ ففي السوق وكالات تحتضن مبدعيها وتدافع عن أفكارهم أمام العملاء، وتعرف متى تتمسك بالفكرة ومتى تتنازل عنها، لكن يجب أن تعي أن موهبتك الفذة لها مكان «وظيفي» له متطلباته الخاصة، وأن العقد الذي وقعته يشمل أفكارك التي كنت تظنها ملكًا خاصًا لك.
نعم، قد تقتل الوكالة «الهواية»، ولكنها لن تفعل ذلك مع الموهوب؛ فالموهبة لا تموت حتى مع أكبر المستهترين بها، وتبقى قوية متينة تظهر متى استدعاها صاحبها، أما «الهاوي» فسيُقتل ويموت ويحترق ويتهشم «وحشية مبالغ فيها»؛ لأن هوايته قامت على المتعة وحدها، فإذا تحولت المتعة إلى مهام وجداول تسليم وملاحظات لا تنتهي، انطفأت الشرارة التي أشعلتها.
والحقيقة أنه يجب عليك ككاتب أن تنظر إلى موهبتك بعين الاعتبار، وأن تحترم أيضًا المكان الذي قد يقدم لك راتبًا عاليًا مقابل «أن ترضى بهم»، لهذا دومًا أقترح على الموهوبين في المجال الإبداعي أن يكون لهم «خط رجعة»، وهو مكان «حساب أو مبادرة أو مجموعة» يسمح لهم بوضع أفكارهم فيه بعيدًا عن تعقيدات الوكالات الإبداعية؛ مساحة حرة تكتب فيها كما تشاء، وتصمم فيها كما ترى، دون مخرج إبداعي ولا عميل ولا هوية تجارية، فتظل موهبتك حية تتنفس خارج ساعات الدوام، وتعود صباح اليوم التالي إلى مكتبك وأنت أخف حملًا وأطول نفسًا.
نصيحة أخيرة
وهنا نصيحة للمسؤولين عن التوظيف في الوكالات الإبداعية: أرجوكم أن يكون سبب اختيار الموظف واضحًا؛ لا تأخذ كاتب ساخر وتريد منه أن يكون كاتب لأناشيد الإعلانات، أو مصمم مرح وتطلب منه أن يصمم فعاليات للتواصل الداخلي، أو مصور وثائقي وتكلفه بتغطية افتتاحات المعارض، اقرؤوا أعمال المتقدم قبل سيرته الذاتية، واسألوا أنفسكم: هل نحتاج ما يجيده فعلًا، أم نحتاج اسمه ولمعانه فقط؟
بكل بساطة، خذ من يهمك أن يكون في مكانه المناسب، وصدقني ستجد من تريد؛ فالسوق مليء بالمواهب التي تنتظر من يضعها حيث تلمع، لكن لا تمسك بموهوب وتقتله ليُقال: وكالتنا كذا!