
هل انتهت أفكار إعلانات اليوم الوطني؟
كل عام تتغير إعلانات اليوم الوطني، لكن كثيرًا منها ينتهي إلى الفكرة نفسها؛ لقطات من السعودية، موسيقى مؤثرة، شيء من التراث، وجملة عن الوطن. فهل المشكلة في تكرار العناصر، أم في أن العلامات تنسى نفسها وهي تحاول أن تبدو وطنية؟ قراءة في إعلانات اليوم الوطني، وما الذي يجعل الفكرة تنتمي فعلًا إلى العلامة، لا إلى المناسبة وحدها.
هل انتهت أفكار إعلانات اليوم الوطني؟
مع انتهاء موسم اليوم الوطني، تتراجع عروض من نوع «96 قطعة لكل من بلغ السادسة والتسعين»، وتبقى أمامنا مئات الإعلانات التي حاولت أن تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة.
ففي اليوم الوطني، تصاب بعض العلامات التجارية بحالة غريبة من فقدان الذاكرة؛ بنك أمضى السنة كاملة يتحدث عن التمويل والإدخار يصبح شاعرًا، وشركة الاتصالات تترك التغطية وباقات الألياف وتتفرغ للتاريخ، والمطعم ينسى أحجام الوجبات والسعر المكتوب بنصف مساحة التصميم ويتحدث عن عزيمة الأجداد، أما تطبيق التوصيل فيكتشف فجأة أن لديه رأيًا في معنى الوطن.
ثم ينتهي سبتمبر ويعود الجميع إلى وظائفهم وليست هذه المشكلة في الاحتفاء، المشكلة أن كثيرًا من العلامات حين تحاول أن تبدو سعودية أكثر تبتعد عن نفسها أكثر.
فقد وثّقت «مشبك» أكثر من 503 إعلانات لليوم الوطني، وهو رقم لا يعبّر فقط عن كثرة الإعلانات، بل عن حجم المساحة التي تتنافس فيها العلامات على انتباه الجمهور.
المشكلة ليست أن العلامات التجارية تحتفل باليوم الوطني، بل أن الاحتفال بدأ يأخذ شكلًا واحدًا، حتى أصبحت بعض الإعلانات قابلة للتبديل.
حين يصبح لإعلان اليوم الوطني قالب
تغيرت إعلانات اليوم الوطني كثيرًا في السنوات الأخيرة؛ من التهنئة المباشرة والهوية الخضراء إلى الأفلام الطويلة، والأغاني، والقصائد، والقصص التي تحاول تقديم معنى أكبر للمناسبة.
لكن وسط هذا التطور، ظهر قالب يمكن توقعه بسهولة: لقطات من السعودية، موسيقى مؤثرة، شخصيات من أجيال مختلفة، شيء من التراث، جملة عن الوطن، ثم الشعار في النهاية.
وهنا اختبار بسيط، أوقف الفيلم قبل ظهور الشعار، هل تستطيع معرفة العلامة؟ إذا استطعت أن تضع مكانها بنكًا أو شركة اتصالات أو شركة عقارية ولم يتغير شيء مهم، فالمشكلة ليست في جمال الفيلم المشكلة أن العلامة لم تعد تملكه!
وهذا أغرب ما قد يحدث في الإعلان، أن تدفع شركة مالًا كثيرًا لتصنع شيئًا جميلًا يستطيع منافسها أن يوقعه باسمه.
الوطنية ليست زيًا رسميًا
الأخضر، والخطوط المستوحاة من الهوية السعودية، والعرضة، والصور القديمة، كلها عناصر قادرة على استحضار المناسبة، لكنها لا تصبح فكرة لمجرد وجودها في الإعلان لكن القيمة في الجملة التي تصنعها منها.
ولهذا كان مدخل الهيئة العامة للعقار في «عشق وحميّة» لافتًا. لم تحاول أن تصبح وزارة ثقافة لدقيقة ونصف ولم تشرح سوق العقار.
هي لم تبدأ الفكرة من سؤال: كيف نصنع إعلانًا وطنيًا؟
بل من شيء أقرب إلى صميم العلامة نفسها؛ الأرض، وعلاقتها بالإنسان، وما تحمله من معنى يتجاوز كونها أصلًا عقاريًا ومن هناك كتب الشاعر فهد المساعد العلاقة بالأرض كعلاقة حب تمتد من الرمل إلى الساحل ومن القرية إلى المدينة.
وهنا يصبح حضور اليوم الوطني نتيجة للفكرة، لا الفكرة نفسها، فالعلامة التي تعرف ما الذي يمكن أن تقوله هي التي تستطيع أن تحتفل بالمناسبة من موقعها، بدل أن ترتدي الزي نفسه الذي ترتديه بقية العلامات.
التراث ليس مستودع إكسسوارات
من التحولات الجميلة خروج الحملات إلى تفاصيل محلية مختلفة؛ مثل الدحة، والقلطة، واللهجة، واللعبة القديمة، والمجلس، والأغنية التي يعرفها أهل مكان بعينه.
لكن النجاح نفسه يحمل خطره.
حين اكتشفت الوكالات كنز التفاصيل المحلية، بدأ التراث أحيانًا يتحول إلى غرفة ملابس خلف الكواليس؛ ندخل كل سبتمبر ونختار شيئًا لم نستخدمه بعد.
هذه السنة الدحة، القادمة الخطوة، وبعدها القلطة.
وجود فن سعودي في الفيلم لا يجعل الفيلم سعوديًا تلقائيًا، كما أن تعليق سيف على جدار مطعم لا يحوله إلى متحف.
السؤال ليس: ماذا استخدمنا؟ بل: لماذا استخدمناه؟ لأن الفنون الشعبية ليست خامات بصرية يأتي بها المدير الفني إلى الإعلان، بل فنون لها مكان، وناس، وسياق، وروح. وفهمها أكثر احترامًا من مجرد تصويرها بعدسة أغلى.
أحيانًا تكون الكاميرا أذكى من الفكرة
بعد كثير من الأعمال تسمع العبارة نفسها: «الإنتاج خرافي»، لكن ماذا كانت الفكرة؟
مع ارتفاع مستوى الإنتاج الإعلاني، أصبح من السهل أن يبدو الإعلان جيد.
تصوير سينمائي، ومواقع جميلة، ومؤثرات بصرية، وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي، يمكنها أن تمنح الفكرة شكلًا أكبر من حجمها الحقيقي، لكن جودة التنفيذ لا تستطيع ان تجيب عن السؤال.
قد نتذكر لقطة جميلة أو موسيقة علقت في الرأس، لكن إذا لم نستطع تذكر الفكرة أو العلاقة التي جمعت الإعلان بالعلامة، فربما أن الكاميرا قامت بعمل أكبر من الفكرة نفسها.
ومن قال إن المطلوب فيلم أصلًا؟
ربما أحد أكثر الأشياء التي أصبحت مسلّمات اليوم الوطني:«لازم نسوي فيلم»
فتبدأ العلامة من الشكل قبل أن تعرف ما الذي تريد قوله؛ أغنية، قصيدة، أو تعاون مع أحد المشاهير وكأن المشاركة في الموسم تحتاج بالضرورة إلى إنتاج ضخم.
فمثلًا «آيوا» أطلقت حملة "شايفين بكرة" حول منتجها نفسه، وصنعت نظارة ضخمة جابت الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، والمهم هنا ليس حجم المجسم، المهم أن آيوا بقيت آيوا!
لم تستعر شخصية أخرى لمدة أسبوع، وهذه ربما واحدة من أبسط القواعد التي نتجاهلها في مناسبة اليوم الوطني، فقيمة الفكرة أن تبقى العلامة حاضرة بعد انتهاء الإعلان لا المناسبة وحدها.
لو اختفى الأخضر، ماذا سيبقى؟
بعد أن ينتهي اليوم الوطني، تختفي المساحات الخضراء، وتتوقف الأغاني، وتعود العلامات إلى الحديث عن منتجاتها وخدماتها، هنا يظهر اختبار بسيط لأي إعلان وطني: لو حذفنا اللون الأخضر، وتوقفت القصيدة، واختفت صور المناسبة، وبقي الشعار وحده؛ هل سيظل هناك شيء في الإعلان يقول إن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون إلا لهذه العلامة؟
إذا كان بالإمكان استبدال الشعار بسبعة شعارات أخرى من دون أن يتغير شيء، فربما لم تكن أمام إعلان للعلامة بقدر ما كانت إعلان آخر لليوم الوطني.
فالمناسبة في هذا الموسم ليست على من يستطيع أن يقول «نحب الوطن» بطريقة أجمل، بل على من يستطيع أن يقولها بطريقة لا يستطيع أحد سواه قولها.
