يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره، غير أن خلفه واحدًا من أجمل أسئلة الإدارة والهوية المؤسسية وأعمقها؛ فإجابته تتجاوز التاريخ نفسه إلى ما تصنعه الأمم والمؤسسات بتاريخها، حين تمزج الوقائع المحفوظة بالتحليل، وتصوغها حكاية تعبّر عن هويتها، وترسّخ الانتماء، وتفتح نافذة على المستقبل.
يسمّي الباحثون هذا المفهوم «السرد المؤسسي التاريخي»، وهو حقل أكاديمي راسخ يلتقي فيه علم الإدارة بالدراسات التنظيمية والتاريخية. نشأت بذوره الأولى مع «المنعطف السردي» (The Narrative Turn) الذي تبلور في العلوم الإنسانية أواخر القرن الماضي، حين تقاربت حقول متعددة، من الفلسفة والأنثروبولوجيا إلى علم النفس وعلوم الاتصال، حول فكرة واحدة: يفهم الإنسان العالم ويبني معناه عبر الحكاية قبل المنطق المجرد. ثم تعزّز هذا التوجه بمفهوم «المؤسساتية التاريخية» (Historical Institutionalism) في العلوم السياسية والاجتماعية، وتوطّد لاحقًا في دراسات المنظمات عبر «المنعطف التاريخي» (The Historic Turn)، وترجع بداياته الأولى إلى أدبيات «السرد التنظيمي» (Organizational Storytelling) في التسعينيات.
التوثيق والسرد مختلفان
يلزم قبل الدخول في التفاصيل توضيح الفرق بين التوثيق والسرد. فبينما يجيب التوثيق عن الأسئلة: ماذا حدث؟ ومتى؟ وأين؟ ومن؟ يضيف السرد سؤالًا ثانيًا أعمق: «ماذا يعني ذلك لنا؟»
لكل مؤسسة ماضٍ يمكنها استعادته والحديث عنه في مناسبات مختلفة، لكنه يظل معلومات أولية مجردة الغرض منها توثيق تاريخ تلك المؤسسة. ويصبح هذا الحديث سردًا حين تفعل المؤسسة بماضيها ثلاثة أشياء: انتقاء اللحظات ذات المعنى، وصياغة حكاية منها تتضمن قيمة وتحديًا ورحلة إنسانية حقيقية، وتوجيه ذلك كله نحو هدف حاضر يبني الثقة والانتماء والفخر اليوم قبل أن يكون مجرد تذكر. يشبه الفرق هنا قول أحدهم: «ولدت سنة كذا وتخرجت سنة كذا...» وهو توثيق وإحصاء معلومات، مقابل روايته من أين بدأ وما الذي واجهه وماذا أصبح.
حين تعجز الأرقام عن الإقناع
تختصر قصة رواها مدير إدارة المعرفة الأسبق في البنك الدولي «ستيفن دينينق» عام 2000 في كتابه «منصة الانطلاق» (The Springboard) كيف يطلق السرد القصصي شرارة العمل في مؤسسات عصر المعرفة؛ اختصارًا يوضح جوهر هذا التحول حين حاول إقناع زملائه بضرورة تبني إستراتيجية جديدة بشأن تبادل المعرفة فاصطدم بمقاومة، وفشلت أمامها التقارير الإدارية وفشلت معها التحليلات المنطقية، ثم تغير كل شيء حين استبدل بالأرقام قصة واحدة: عاملة صحية في بلدة نائية بزامبيا، دخلت في يونيو 1995 إلى موقع مركز مكافحة الأمراض في أتلانتا، عبر حاسوب أتاحه مشروع صحي وفّر اتصالًا عرضيًا بالإنترنت؛ مما مكنها من الحصول على إجابة وافية بشأن علاج الملاريا. نجحت تلك القصة وحدها في ما فشلت فيه الرسوم البيانية والجداول، وحولت مقاومة زملائه إلى حماس يدعم تطبيق الفكرة.
تكشف شواهد علم النفس وعلم الأعصاب تفوق القصة على الأرقام المجردة في ترسيخ المعلومات بفارق كبير؛ إذ تنشط مناطق التجربة والعاطفة في الدماغ متجاوزة مناطق التقييم البارد، فتجعل المستمع أكثر انفتاحًا واستعدادًا للفعل. يوضح عالم الأعصاب بول زاك عام 2022 أن الدماغ البشري يخصص طاقة انتباهه لما يستحق العناء وحده، وتمثل القصص الجيدة ما يستحق تلك الطاقة، ويبقى للأرقام مكانها إلى جانب السرد؛ فالأرقام تثبت، والقصة تفسر وتحرك وترسخ في الذاكرة.
ثلاثة نماذج سعودية ومستويات ثلاثة من السرد
يمكن رصد تجسد هذا المفهوم في ثلاثة نماذج سعودية معاصرة، يمثل كل منها مستوى مختلفًا من السرد المؤسسي.
يمثل النموذج الأول ملتقى التاريخ العسكري السعودي الذي تنظمه وزارة الدفاع بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز وجامعة الطائف. يطبق الملتقى اختبار السرد الثلاثي بدقة رغم طابعه الأكاديمي التوثيقي القائم على الأوراق المحكمة والمعرض المصاحب. ينتقي الملتقى محاوره الأربعة المتمثلة في التأسيس العسكري ودور الطائف والتطور ومصادر التوثيق، ويصوغ منها قصة عبر المعرض والزيارات الميدانية، ثم يوجهها نحو هدف حاضر هو إبراز الذاكرة الوطنية تحت شعاره الدال «ذاكرة تروى وتاريخ يوثق».
ويتجلى ثانيها في متحف الذهب الأسود في الرياض بوصفه أول متحف دائم إبداعي متخصص في قصة النفط عالميًا. يضم المتحف أكثر من 350 عملًا فنيًا بمشاركة 170 فنانًا، ويروي قصة النفط منذ اكتشافه من منظور فني وإنساني بعيد عن الطرح التقني الجاف. تملك منظومة الطاقة المادة هنا، في حين تملك منظومة الثقافة أداة السرد، في تكامل نادر بين مالك الموضوع ومالك وسيلة حكايته.
أما الثالث فهو بوابة الدرعية بوصفها سردًا مكانيًا تجريبيًا حول حي الطريف التاريخي إلى مركز جذب عالمي ضمن الدبلوماسية الثقافية، بفضل استثمارات ضخمة تجعلها رافدًا اقتصاديًا مؤثرًا يستقطب حشودًا غفيرة من الزوار ويحقق قيمة تنموية هائلة.
تثبت هذه النماذج الثلاثة عمليًا ما تؤكده الدراسات من تحول التراث من قطاع مكلف إلى قطاع منتج يُستثمر فيه.
قصة لجيل لم يعش البداية
يكمن سر الإلحاح على السرد اليوم تحديدًا في تركيبة سكانية لافتة، يمثل فيها نحو 70% من السعوديين من هم دون سن الخامسة والثلاثين، في حين تبلغ نسبة من هم دون الخامسة والعشرين ما بين 37% و40%؛ مما يعني أن الأغلبية الساحقة عاشت بعد مرحلة التحول، وتفتقد الذاكرة المعاشة عما قبلها.
يكمن التحدي هنا في محدودية «الذاكرة التواصلية» (Communicative Memory) المنتقلة شفهيًا بين الأجيال المتعايشة زمنيًا بنحو ثمانين إلى مئة عام، تتحول بعدها إما إلى «ذاكرة ثقافية» (Cultural Memory) راسخة، أو تتلاشى وتنسى برحيل جيل الشهود. هنا تتجلى أهمية السرد المؤسسي في تحويل تلك الذاكرة المعاشة إلى ذاكرة ثقافية دائمة عبر النصوص والأفلام والمتاحف والاحتفالات قبل فوات الأوان؛ شريطة أن يحدث هذا في فعاليات مصممة لهذا الغرض، تشمل ذكرى التأسيس والمؤتمرات وبرامج التدريب والمعارض والمتاحف، عوضًا عن ترك الأمر للتلقائية والصدفة.
من ذاكرة تحفظ إلى رصيد يستثمر
يمثل مفهوم «التراث المؤسسي» (Corporate Heritage) إطارًا نظريًا قويًا هنا؛ فهو رصيد المؤسسة من الأصول المادية والمعنوية المتراكمة عبر تاريخها، الذي يشكل هويتها ويصعب على المنافسين تقليده. وتتلخص الفكرة في كون ماضي المؤسسة أصلًا إستراتيجيًا نادرًا، أبعد ما يكون عن زينة تضاف.
يصبح الاستثمار في السرد المؤسسي التاريخي بذلك أداة إستراتيجية تحول التاريخ من ذاكرة تحفظ في الأرشيف إلى أصل يدار بعناية. وينسجم هذا مع توجهات رؤية السعودية 2030 في الاستثمار في التراث والثقافة بوصفهما رافدًا يدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. يربط السرد المؤسسي الناجح بين الافتخار بالماضي وترويج المستقبل في قصة جوهرية واحدة متماسكة، تسميها أدبيات العلامات المؤسسية «القصة الجوهرية للمؤسسة»، وتجيب عن أربعة أسئلة معًا: من أين أتينا؟ وأين نحن الآن؟ وإلى أين نمضي؟ ولماذا؟
إنما المؤسسات مثل الأمم؛ تُعرف بما اختارت أن تحكيه عن نفسها قبل ما وثقته من وقائع.

