بلكونة - الشعار
لماذا يبدو الجميع غاضبًا في «إكس»؟

لماذا يبدو الجميع غاضبًا في «إكس»؟

قد ندخل «إكس» لمتابعة خبر، ثم نجد أنفسنا ندافع عن بلدنا أمام شخص من بلد لا نعرفه، ونرد على إساءة لم نبحث عنها، ونغادر بانطباع أن العالم أكثر عدائية، فلماذا يزداد غضبك عند استخدام اكس؟

لماذا يبدو الجميع غاضبًا في «إكس»؟

قد ندخل «إكس» لمتابعة خبر، ثم نجد أنفسنا ندافع عن بلدنا أمام شخص من بلد لا نعرفه، ونرد على إساءة لم نبحث عنها، ونغادر بانطباع أن العالم أكثر عدائية. في عام 2023، كتب إيلون ماسك: «إنستقرام يجعل الناس مكتئبين، وتويتر يجعل الناس غاضبين». وهي مفاضلة بائسة حين تصدر عن مالك المنصة؛ فالسخرية من إنستقرام لا تفسر لماذا يتحول وقتنا في تطبيقه إلى استعداد دائم للخصومة، ولا تجيب عن دور المنصة في صناعة هذا المزاج.

كيف تعمل خوازمية «إكس»؟

تبدأ العملية قبل ظهور المنشور أمامنا؛ إذ تجمع الخوارزمية محتوى من حسابات نتابعها، ومحتوى آخر من خارج دائرتنا، ثم تستخدم سجل تفاعلاتنا لتقدير ما سنفعله مع كل منشور: هل سنرد؟ هل سنشاركه؟ هل سندخل حساب صاحبه؟ وكم سنمكث عنده؟ تجمع هذه التوقعات في درجة تدخل في ترتيب المحتوى، فتتقدم منشورات وتتراجع أخرى. وهذه هي الآلية التي يشرحها التوثيق المنشور لخوارزمية «إكس»، مع وجود مرشحات للمحتوى وإشارات سلبية، مثل الحظر والإبلاغ وعدم الاهتمام.

غير أن الرد لا يعني الرضا، وطول البقاء لا يعني الاستمتاع. قد نقرأ منشور كامل لأن صاحبه أهاننا، ثم نفتح حسابه ونراجع كلامه ونستدعي الآخرين للرد عليه، بالنسبة لنا كانت تجربة مزعجة، لكنها أنتجت عدة سلوكيات تدخل في حسابات التوصية، وهنا يستطيع المحتوى المستفز أن ينافس على الظهور دون أن يكون محبوبًا؛ يكفي أن يحملنا على التصرف، ومع تكرار هذا السلوك، يصبح اهتمامنا بالموضوع جزءًا من توقعات النظام اللاحقة، وقد نساهم باعتراضنا في تعليمه ما يستوقفنا، بينما نظن أننا نعبر عن رفضنا له.

غضب مصنوع

اختبرت دراسة نُشرت عام 2025 هذه المشكلة، بمقارنة المحتوى الذي اختارته خوارزمية تويتر بالمحتوى المرتب زمنيًا لدى 806 مستخدمين أمريكيين، ووجدت أن الترتيب القائم على التفاعل يتكون من المحتوى المشحون عاطفيًا والعدائي تجاه الجماعة السياسية المخالفة، وكان الغضب أبرز المشاعر التي عززها في التغريدات السياسية، كذلك لم تجد أن المشاركين يفضلون التغريدات السياسية التي اختارتها الخوارزمية؛ فالمحتوى الذي يستدعي تفاعلهم ليس بالضرورة المحتوى الذي يرغبون في رؤيته.

وفي تجربة نُشرت عام 2025، غيّر الباحثون ترتيب المنشورات التي تظهر أمام 1,256 مستخدمًا خلال الانتخابات الأمريكية عام 2024؛ فجعلوا المحتوى الذي يهاجم الحزب المنافس أو يتبنى مواقف مناهضة للديمقراطية أكثر ظهورًا لدى مجموعة، وأقل ظهورًا لدى أخرى، ووجدوا أن من شاهدوا المزيد منه أصبحت مشاعرهم تجاه أنصار الحزب الآخر أكثر سلبية، بينما تحسنت مشاعر من شاهدوا قدرًا أقل، وإن كان التغير محدودًا. هذا يعني أن ترتيب المنشورات قد يغير نظرتنا إلى الناس؛ فقد نظن أن أنصار الطرف الآخر أصبحوا أكثر عدائية، بينما الذي تغير هو المحتوى الذي تختار المنصة عرضه أمامنا.

فيروس الاستفزاز

ويمتد الأثر إلى من ينتجون المحتوى، ففي دراسة لجامعة ييل نُشرت عام 2021، حلل الباحثون نحو 12.7 مليون تغريدة وأجروا تجربتين سلوكيتين، ووجدوا أن المكافآت الاجتماعية تزيد احتمال تكرار التعبير عن الغضب الأخلاقي، أي الغضب من انتهاك القيم، كما يتكيف المستخدمون مع النبرة السائدة داخل شبكاتهم الاجتماعية.

ومن هنا يمكن فهم انتقال الكاتب من شرح موقفه إلى اتهام خصومه؛ فقد ينشر رأي متزن فلا يجد اهتمام، ثم يصوغ الفكرة نفسها بحدة فتحصد الردود والمشاركات، وحين تتكرر هذه المكافأة، تصبح الخصومة طريقة للحضور، ويبدأ باختيار عباراته وفق قدرتها على إثارة الناس، وهكذا يتعلم المستخدم قواعد الانتشار، ثم يساهم في إنتاج البيئة التي كان يشتكي منها.

لماذا نبقى في تطبيق يزعجنا؟

قد نشتم «إكس» كل يوم، ثم نعود إليه عند أول خبر سياسي؛ فحسابات المسؤولين والصحفيين والجهات التي نتابعها تمنحه أهمية تتجاوز متعة التصفح، وفي استطلاع لمركز «بيو» عام 2024م، عدّ 65% من مستخدميه الأمريكيين الحصول على الأخبار سببًا لاستخدامه، وهذه الحاجة قد تفسر استمرار علاقتنا به رغم الاستياء؛ نغلق التطبيق لأن النقاش أزعجنا، ثم نفتحه لأن الحدث الذي نتابعه لا يزال يتطور، فالمغادرة المؤقتة لا تعني الاستغناء، والعودة لا تعني الرضا.

في المقابل، تبدو تجربة «إنستقرام» أقرب إلى استمالتنا عبر اهتماماتنا؛ نحب السفر فيعرض وجهاته، ونهتم بالتصميم فيقدم المزيد منه، والمنصتان تستخدمان التفاعل لترتيب المحتوى، لكن أهمية «إكس» الإخبارية والسياسية قد تمنحه مساحة أوسع لتحمل استياء مستخدم يشعر بأنه يحتاج إليه، وهذه قراءة لدوافع البقاء، وليست ضمان أن المستخدم لن يغادر مهما ساءت تجربته.

الذباب الالكتروني

وبينما يتفاعل المستخدم دفاعًا عن موقفه، قد يعمل الطرف المقابل ضمن حملة لها أهداف محددة، فقد رصد تقرير معهد أكسفورد للإنترنت لعام 2020 حملات تلاعب منظمة في 81 دولة، ووثق استعانة حكومات وأحزاب بشركات تنفذ عمليات تأثير. وفي مثال خاص بتويتر، أعلنت المنصة عام 2021 إزالة حسابات ربطتها بالحكومة الأرمينية استهدفت أذربيجان، وانتحل بعضها شخصيات سياسية وجهات إخبارية أذربيجانية.

وهذا ما يجعل «الجيوش الإلكترونية» أكثر من مجرد حسابات مزعجة؛ فقد تخفي جهة واحدة خلف أصوات متعددة، فيبدو موقفها رأي شعبي، وبذلك تستطيع حملات التأثير استهداف صورة دولة أخرى أو تأجيج خصومة بين جمهورين، مستفيدة من استعداد المستخدمين للدفاع عن انتماءاتهم.

الترجمة الفورية

ومع تعميم الترجمة التلقائية في أبريل 2026، أصبح انتقال المنشورات بين اللغات أسهل، وهذه الإتاحة قد توسع دائرة الاحتكاك؛ رأي فرد يصل إلى جمهور آخر فيتعامل معه بوصفه موقف شعب، أو سخرية تفقد سياقها، أو عبارة يزيد خطأ ترجمتها حدة معناها، وحتى الترجمة الصحيحة لا تخبرنا بمدى تمثيل صاحب المنشور لمجتمعه، لذلك يمكن أن تمنح هذه الميزة سوء الفهم جمهور أوسع، خصوصًا حين تقترن بتوصيات تبرز المحتوى المستفز.

ختامًا

تزداد خطورة «إكس» حين ننظر إلى مالكه؛ فإيلون ماسك يستخدم المنصة أداة للتأثير السياسي، وقد أعلن دعمه لترامب واستضافه في حوار خلال حملته الانتخابية عام 2024م، ثم دعا الألمان إلى التصويت لحزب «البديل من أجل ألمانيا» عام 2025. وهنا يجتمع نفوذ المالك السياسي مع سلطته على منصة ترتب ما يراه جمهورها، ويصبح شعار حرية التعبير عاجزًا عن إعفائه من المساءلة. من حق ماسك أن يتبنى موقفًا، ومن حقنا أن نحاسب المنصة على الطريقة التي تدير بها انتباهنا وتؤثر في مشاعرنا. أما بقاؤنا لحاجتنا إلى الأخبار، فلا يمنحه تفويضًا باستنزافنا؛ فنحن ندخل لنعرف ما يحدث، ولا ينبغي أن يكون ثمن المعرفة أن نخرج أكثر كراهية لبعضنا، وأكثر انشغالًا بالخصومات التي تخدم نفوذ صاحب المنصة.

اقتصاد الغضب المصنوع - Manufactured Outrage Economy

اقتصاد الغضب المصنوع - Manufactured Outrage Economy

نمط خوارزمي يمنح المنشورات المشحونة عاطفيًا والعدائية أولوية في الظهور والترتيب، لأنها تضمن استثارة ردود فعل المستخدمين وإطالة بقائهم على المنصة، حتى لو كانت التجربة تزيد من استيائهم.

فخ التفاعل العكسي - Adverse Engagement Trap

فخ التفاعل العكسي - Adverse Engagement Trap

الوقوع في مغالطة التصرف الخوارزمي، حيث يُترجم اعتراض المستخدم على محتوى مسيء أو مستفز كإشارة اهتمام إيجابية تزيد من انتشاره وتوصية النظام به لاحقًا.

المكافأة الاجتماعية للاستقطاب - Social Rewards of Moral Outrage

المكافأة الاجتماعية للاستقطاب - Social Rewards of Moral Outrage

الحوافز الرقمية التي يتلقاها صانع المحتوى عند التعبير بحدة عن الغضب الأخلاقي أو مهاجمة الخصوم، مما يدفعه تدريجيًا للتخلي عن الطرح المتزن واعتماد النبرة الصدامية كاستراتيجية للحضور.

اقرأ المقال التالي