بلكونة - الشعار
 كيف يصل الفيلم إلى جمهوره؟ | تقرير التسويق السينمائي

كيف يصل الفيلم إلى جمهوره؟ | تقرير التسويق السينمائي

تقرير تحليلي يرصد تحولات التسويق السينمائي عالميًا ومحليًا، مبينًا كيفية وصول الفيلم إلى جمهوره عبر التجارب الممتدة وفهم السلوك الاستهلاكي بشباك التذاكر، مع تقييم أداء وحصة الأفلام السعودية وإعادة بناء ثقة المشاهد المحلي.

كيف يصل الفيلم إلى جمهوره؟

قد يكتمل الفيلم على الورق وأمام الكاميرا وفي غرفة المونتاج، ثم يصل إلى الصالات فلا يجد جمهوره. الجودة وحدها لا تصنع الإقبال؛ فالكتابة المحكمة والأداء الصادق والإخراج المتقن تصنع فيلم جيد، لكنها لا تضمن أن يعرف الناس بوجوده، ولا أن يقرروا مغادرة بيوتهم من أجله، فبين الفيلم والمشاهد مسافة يساعد التسويق والتشويق على قطعها.

لهذا يعد التسويق السينمائي جزءًا من الصناعة نفسها، يتغير مع كل تحول في وسائل التواصل وعادات الجمهور، ومن يتتبع تاريخه يجد سؤال مستمر تتبدل إجاباته: كيف نصل إلى المشاهد حيث هو؟ وهذا ما تكشفه رحلته من الملصق إلى المقاطع القصيرة على منصات التواصل.

تحولات التسويق السينمائي

في العقود الأولى من السينما، اعتمد الترويج للأفلام على الصحف والملصقات وبطاقات الردهة التي تعرض وجوه النجوم ولقطات مختارة من العمل، وبنت الاستوديوهات هويات يعرفها الجمهور، فصار أسد «إم جي إم» علامة تسبق الفيلم وتستدعي توقعات المشاهد عنه.

ومع اتساع حضور السينما، احتلت ملصقاتها الواجهات والطرقات والمحطات، فلم يعد الإعلان ينتظر من قرر الذهاب إلى الصالة، وخرج ليعترض الناس في حياتهم اليومية ويقترح عليهم فيلمًا لم يفكروا فيه. ثم أضاف انتشار التلفاز مساحة أخرى، فدخلت إعلانات الأفلام غرفة الجلوس، وصار بإمكان الحملة أن تلاحق اهتمام المشاهد من الشارع إلى البيت.

وفي عام 1960، جعل ألفريد هيتشكوك تسويق «سايكو» امتدادًا لتجربة مشاهدته، فظهر بنفسه في الإعلان الترويجي، وأصر على منع دخول الجمهور بعد بدء العرض، وأحاط أحداث الفيلم بالسرية، هكذا أصبح توقيت الدخول والغموض المحيط بالقصة جزءًا من التشويق، قبل أن يجلس المشاهد أمام الشاشة.

الجمهور جزء من الحملة

في عام 1999، أعاد «مشروع بلير ويتش» توظيف الغموض بلغة الإنترنت، عبر موقع ومواد ترويجية توحي بأن الأحداث حقيقية. اختلط التسويق بالسرد، وأصبح البحث عن حقيقة ما حدث جزءًا من تجربة الجمهور مع الفيلم، وحقق العمل إيرادات عالمية قاربت 250 مليون دولار، ليصبح من أبرز الأمثلة على قدرة الإنترنت على نشر الفضول حول فيلم محدود التكلفة.

وفي حملة «فارس الظلام» عام 2008، تحول الجمهور إلى مشاركين في عالم الفيلم عبر تجربة الواقع البديل «لماذا أنت جاد جدًا؟». امتدت الحملة 15 شهرًا، وجمعت أكثر من 11 مليون مشارك في أكثر من 75 دولة، بحسب شركة «42 إنترتينمنت» المنفذة لها. تتبع المشاركون الرسائل وحلوا الألغاز وانخرطوا في أحداث تتصل بشخصيات الفيلم؛ فأصبح انتظار العرض تجربة قائمة بذاتها.

وفي عام 2016، ساهم ريان رينولدز في قيادة حملة «ديدبول» متقمصًا الشخصية خارج الشاشة، فحملت المواد الترويجية روح الفيلم وسخريته إلى منصات التواصل، وحقق العمل نحو 783 مليون دولار عالميًا، مقابل ميزانية إنتاج بلغت 58 مليون دولار. 

كيف جمع «باربي» أدوات التسويق؟

في عام 2023، امتد عالم «باربي» إلى الملابس والطعام والألعاب والأماكن التي يمكن زيارتها. شملت الحملة أكثر من 100 شراكة تجارية، من جهاز «إكس بوكس» الوردي إلى بيت الأحلام على منصة «إير بي إن بي»، فيما دارت تقديرات الإنفاق التسويقي حول 150 مليون دولار.

وأتاح «مولد سيلفي باربي» للجمهور إدخال صورهم في القالب البصري للفيلم، ليشاركوا بأنفسهم في إنتاج مواده ونشرها. ومع ذلك، بقيت اللوحات والإعلانات التشويقية تعمل إلى جوار التجارب الرقمية والشراكات التجارية.

تكشف الحملة كيف تتكامل الأدوات حين يجمعها تصور واضح لعالم الفيلم؛ فاللون والشخصيات والمنتجات والتجارب أعادت تقديم الفكرة نفسها بأشكال مختلفة، ومنحت الجمهور أكثر من طريقة للمشاركة فيها.

وكالات مختصة بالتسويق السينمائي

وراء هذه الحملات قطاع من الوكالات والشركات المتخصصة في تسويق الترفيه، يعمل مع الاستوديوهات والموزعين على تحويل الفيلم إلى وعد يجذب المشاهد، وقد يتوزع العمل على عدة جهات، تتولى إحداها الإعلان الترويجي، وأخرى الملصقات والهوية البصرية، وثالثة المحتوى الرقمي والتجارب المصاحبة.

وقد يطلب الاستوديو مقترحات من أكثر من وكالة، ثم يختار اتجاهًا ويطوره عبر نسخ متعددة، لذلك فإن الإعلان الذي يصل إلى الجمهور قد تسبقه محاولات كثيرة، تختلف في المشاهد المختارة والإيقاع والموسيقى وحتى الصورة التي تقدمها عن الفيلم.

ومن أبرز مجالات العمل إنتاج الإعلانات الترويجية، أو «التريلرات»، التي تحتاج إلى بناء سرد قصير يثير الاهتمام ويعطي فكرة عن التجربة المنتظرة. تعمل في هذا المجال شركات مثل «تريلر بارك قروب»، التي تمتد خدماتها إلى مجالات أوسع في تسويق الترفيه، و«إيه في سكواد»، الحاصلة على جوائز وكالة العام في «قولدن تريلر».

ويبرز إلى جانب ذلك تصميم الصورة الرئيسية للحملة، أو «كي آرت»، بما يشمل الملصق ومعالجة العنوان والعناصر البصرية التي ترافق الفيلم في مختلف المساحات. ومن الوكالات العاملة في هذا المجال «كونسبت آرتس»، التي تعرض أعمالها كيف يمكن تقديم الشخصيات وعالم الفيلم عبر صورة واحدة.

ولهذه الصناعة جوائزها المتخصصة، من «قولدن تريلر» إلى «كليو إنترتينمنت»، التي بدأت باسم «كي آرت». وهي تحتفي بالعمل الإبداعي الذي يسوق الأفلام وغيرها من منتجات الترفيه. فخلف المقطع الذي لا يتجاوز دقائق معدودة، فرق تتخصص في الكتابة والمونتاج والصوت والتصميم، وتعمل على إقناع الجمهور بتجربة تمتد لساعات.

أين تقف السينما السعودية؟

منذ عودة الصالات، يشهد القطاع السينمائي السعودي حراكًا في الإنتاج والمهرجانات والأفلام التي تصل إلى الشاشة. ومع هذا الحراك، يظل السؤال عن علاقة الفيلم المحلي بجمهوره حاضرًا: لماذا لا يصل كثير من الأفلام المحلية إلى الفئات التي قد تهتم بها، فتمر تجارب كاملة دون أن تترك صدى يُذكر؟

تقدم أرقام عام 2025 صورة تستحق التأمل، إذ سجل شباك التذاكر السعودي نحو 921 مليون ريال من بيع 18.8 مليون تذكرة، وشهد عرض 538 فيلمًا، بينها 11 فيلمًا سعوديًا، ورغم أن الأفلام المحلية مثلت نحو 2% من عدد الأفلام المعروضة، فقد حققت 122.6 مليون ريال، أي نحو 13.3% من إجمالي الإيرادات، وباعت 2.8 مليون تذكرة. 

صحيح أن الحصة المحلية تتحسن، فقد ارتفع عدد الأفلام السعودية التي تجاوزت 100 ألف تذكرة من فيلمين إلى ستة أفلام خلال عام واحد، غير أن المسافة لا تزال شاسعة؛ فما يعد حد أدنى في الأسواق الناضجة، ما زال مكسب استثنائي لا تناله إلا القلة هنا.

قد يرتبط ضعف الإقبال على فيلم بجودته أو موضوعه أو توقيت عرضه وتوزيعه، وقد يرتبط بطريقة تقديمه إلى الناس. ولا تكفي الإيرادات وحدها لتحديد السبب، لكن التسويق يظل مسؤولًا عن سؤال واضح: هل وصل الفيلم إلى جمهوره المحتمل، وهل قدم له سبب مقنع لشراء التذكرة؟

رصيد الثقة

لا تبدأ حملة الفيلم السعودي من صفحة بيضاء؛ فالمشاهد يأتي بتوقعات صنعتها تجاربه السابقة مع الإنتاجات المحلية، وحين لا ترتقي بعض هذه التجارب إلى توقعاته، قد يمتد أثرها إلى استعداده لمشاهدة فيلم سعودي آخر، حتى لو اختلف صناعه وقصته ومستواه. لذلك لا يكفي أن تعلن الحملة عن عمل جديد، وعليها أن تفهم أسباب تردد الجمهور وما الذي يمكن أن يعيد اهتمامه.

أما الاكتفاء بإعلان ترويجي يتيم، فيتعامل مع المشكلة كأن الجمهور لم يسمع بالفيلم فقط، بينما قد يكون سمع به ولم يجد ما يجعله يثق بالتجربة، واستعادة هذه الثقة تحتاج إلى وعد واضح وصادق بما سيشاهده؛ فالمبالغة قد تبيع تذكرة اليوم، لكنها تضيف خيبة أخرى تصعب بيع التذكرة التالية.

هل تكفي المحلية؟

تقدم بعض الأفلام نفسها بوصفها سعودية أولًا، وتطلب من الجمهور دعمها والإعجاب بها والتغاضي عن عيوبها لهذا السبب، وهو خطاب يضعها في مرتبة أقل من الإنتاج العالمي، ويطالب المشاهد بخفض معاييره بدلًا من منحه سببًا لمشاهدتها. فشراء التذكرة قرار يتعلق بما ينتظره من التجربة، ولا يمكن أن يظل اختبارًا لدعمه الصناعة المحلية.

وتستطيع المحلية أن تمنح الفيلم ميزة حين تظهر في قصة يعرف الجمهور تفاصيلها، أو شخصيات تشبهه، أو بيئة تحمل معنى لديه. هنا تصبح الهوية جزءًا من جاذبية العمل، ويأتي الاهتمام من العلاقة التي يبنيها مع المشاهد، ولهذا يحتاج كل فيلم إلى تحديد من قد يجد نفسه فيه؛ فمحاولة مخاطبة الجميع برسالة عامة قد تخفي أكثر ما يميزه لدى الجمهور الأقرب إليه.

من يتولى تسويق الفيلم؟

وتبرز هنا حاجة السينما السعودية إلى وكالات متخصصة تعرف كيف تقرأ الفيلم وتستخرج من قصته وشخصياته ما يجذب الجمهور، ثم تحول ذلك إلى حملة تبدأ قبل عرضه بوقت كافٍ، فالتخصص الذي نراه في الحملات العالمية يحتاج إلى معرفة بالسوق المحلي أيضًا: ما الذي يشجع الناس على الذهاب إلى الصالات، وما الذي يثير ترددهم، وكيف تختلف دوافعهم من فيلم إلى آخر؟

ويتطلب ذلك أن تدخل الخبرة التسويقية مبكرًا في المشروع، وأن تعمل مع صناعه وموزعيه على تحديد موقعه بين الأفلام المعروضة. وتوضح تجربة «فخر السويدي» كيف يمكن لهذا الفهم أن يتحول إلى حملة تنطلق من عالم الفيلم وتذهب إلى جمهوره.

أفضل حملة تسويقية لفيلم سعودي

في اهتمامي بدراسة الأفلام الناجحة تسويقيًا، سألت المنتج التنفيذي فؤاد الخطيب، المتابع عن قرب للواقع السينمائي السعودي، عن أفضل حملة تسويقية لفيلم سعودي من وجهة نظره، فكانت إجابته:

«حملة فيلم «فخر السويدي» من إنتاج شركة قطرب. فقد أثارت فضول أكثر من مليون مشاهد عبر تسريب مشهد من الفيلم، وأقنعت أكثر من 154 ألف شخص بشراء التذكرة، وحققت ذلك دون الاعتماد على أسماء ممثلين كبار، ودون دعم أو رعاية من قنوات أو منصات أو كيانات كبرى؛ ولهذا هي مثال فريد لأي صانع فيلم يريد دخول شباك التذاكر.

وسر نجاحها أن التسويق كان امتدادًا لعالم الفيلم، فسيارة الآيس كريم التي تظهر في افتتاحه خرجت إلى الشارع ووزعت الآيس كريم أمام مدارس الرياض وأعلنت تاريخ العرض، ولغة التواصل كلها استُلهمت من خطابات الفيلم المدرسية بعبارة «إلى من يهمه الأمر»، وأُطلق مع فوكس سينما فيديو «آداب السينما» الذي يُعرض قبل جميع الأفلام بروح الفيلم وطاقمه.

ثم ذهبت الحملة إلى جمهورها المستهدف، طلاب المدارس، عبر شخصيات الفيلم نفسها: زار المدير «شاهين دبكة» مدرسة حقيقية في الرياض وقدم للطلاب وجبات إفطار من الراعي «كاكو»، وقدم الطاقم فقرة ستاند أب كوميدي في حي السويدي بالزي والشخصية نفسيهما، فيما تولت لوحات شارع التحلية وتسريب المشهد على إنستغرام قبل العرض بأسبوع مهمة إثارة الفضول.

وتحول العرض الخاص إلى تجربة مدرسية سعودية كاملة: مقصف داخل السينما بوجبات من «كاكو» و«شيبس مرامي»، وشنطة مدرسية تذكارية تحوي سجادة صلاة مطوية ودفتر وقلم وملصقات بعبارات الفيلم، وامتد العالم إلى لعبة إلكترونية مستوحاة من اللعبة التي يطورها زياد في الفيلم، وطلب خاص في قائمة مقهى فورتوينز مع قسائم للحضور، مع حضور إعلامي واسع من بودكاست «النشرة السينمائية» و«فيلم رنت» إلى برامج مثل «ناس يجربون» و«صباح الخير يا عرب»، إلى جانب لقاءات صنّاع الفيلم مع الجمهور في فعالية «مَخرج» وزيارات الطاقم للصالات.»

ويؤكد الخطيب في ختام حديثه:

«أذكّر زملاءنا في مجال الأفلام والتسويق أن تسويق الفيلم لا يقتصر على تصميم بوستر أو إطلاق الفيديو الدعائي فحسب، بل هو ترويج للفيلم عبر أصول ممتدة من روح الفيلم وقصته، بطرق إبداعية تثير الفضول وتسهم في إعطاء وعد وإدارة توقعات المشاهد عمّا سيحصل عليه، بطريقة ممتعة وترفيهية.»

كيف تفكر كمسوق سينمائي؟

إذا كانت الحملة الناجحة تبدو من الخارج سلسلة أفكار لامعة، فإنها تبدأ من الداخل بطريقة تفكير تقود التنفيذ. ولهذا تحدثت مع ضياء السادات، المتخصص في التسويق والدعاية السينمائية، الذي عمل على حملات إطلاق وترويج عدد من الأفلام السعودية والعربية، وسبق له العمل في «نتفليكس» في مجالي الدعاية وإدارة المحتوى البصري.

يبني السادات حملاته انطلاقًا من فهم الجمهور وقراءة سلوك شباك التذاكر، وربط التسويق بالتوزيع وتجربة المشاهد داخل الصالة وخارجها. ويلخص لنا تجربته بقوله:

«التسويق السينمائي لا يبدأ من البوستر ولا من التريلر ولا من سؤال: من هم المؤثرون الذين سنستعين بهم؟ بل يبدأ من سؤال أبسط وأهم: من هو الجمهور الذي أريده أن يشتري تذكرة هذا الفيلم؟ وكلما كانت الإجابة محددة، كانت الحملة أفضل. «الشباب» ليسوا جمهور، و«العائلات» ليست جمهور، و«محبو الأكشن» ليس تعريفًا كافيًا. تحتاج أن تعرف من هم بالتحديد، وكيف يقضون وقتهم، وماذا يشاهدون، ومن يؤثر فيهم، وكيف يتخذون قرار الشراء، وهل الذهاب إلى السينما عندهم قرار مخطط له أم لحظي.

والفهم المطلوب سلوكي لا ديموغرافي فقط: من يدفع؟ ومن يقرر؟ ومن يقترح الفيلم على المجموعة؟ وهنا نقطة فارقة: إن كنت تستهدف شخصًا يزور السينما كل أسبوع، فمنافستك هي الأفلام المعروضة في الوقت نفسه؛ أما إن كنت تستهدف شخصًا لا يرتادها كثيرًا، فمنافستك مطعم أو فعالية أو مباراة أو جلسة مع الأصدقاء أو البقاء في البيت. ولهذا أنظر إلى إطلاق الفيلم بوصفه تجربة بيع بالتجزئة: أنت تطلب من شخص أن يدفع مبلغ مقابل تجربة، في وقت محدد ومكان محدد؛ فعليك أن تفهم القدرة الشرائية والتوقيت والموقع وسهولة الحجز، والبدائل التي تنافسك على وقته وماله.

ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن تبدأ الحملة من الأدوات: نحتاج مؤثرين، نحتاج مقابلات، نحتاج فعالية، نحتاج تيك توك. الأداة ليست جيدة أو سيئة في ذاتها، بل بقدر مناسبتها لهذا الفيلم ولهذا الجمهور. وصناع المحتوى مهمون لا لأن أرقامهم كبيرة، ولكن لأن جمهورهم مناسب ويستطيعون خلق محادثة حقيقية حول الفيلم. والأمر نفسه ينطبق على فريق العمل، لا الممثلين وحدهم: الكاتب والمخرج ومدير التصوير ومصمم الإنتاج ومصمم الأكشن، جميعهم أدوات تسويقية قوية حين يوجد سبب حقيقي لاستخدامهم. ففي فيلم يقوم على عالمه البصري قد يكون مدير التصوير مدخلًا أقوى من بعض النجوم، وفي فيلم أكشن قد يكون الحديث عن تصميم مشهد بعينه أكثر جاذبية من مقابلة تقليدية. السؤال ليس من نستخدم، بل من لديه قصة تساعدك على بيع الفيلم.

وإذا كانت كل موادك تقول شيئًا واحدًا: «الفيلم قادم»، فأنت تكرر إعلانًا لا تبني حملة. الحملة الجيدة تفتح أكثر من باب للدخول إلى الفيلم: شخصية، أو قصة، أو عالم، أو موسيقى، أو كواليس، أو تحدي إنتاجي، أو تفصيلة صغيرة تتحول إلى حديث. والهدف ليس النشر، الهدف أن يبدأ الناس الحديث عن الفيلم دون أن تدفعهم في كل مرة، وأن تولد المادة الواحدة مادة أخرى، وأن يتحول الجمهور من متلق إلى مشارك. هذا هو الفرق بين حملة موجودة وحملة حية.

كما أن الفيلم لا يعيش على الهاتف وحده. قد يكتشفه شخص في مقطع على تيك توك، ثم يراه في المول، ثم يمر بالستاند أو الشاشة داخل السينما، ثم يفتح تطبيق الحجز، ثم يسمع عنه من صديق: كلها نقاط تواصل في رحلة واحدة، ولهذا يجب التفكير في الأونلاين والأوفلاين كحملة واحدة لا مسارين. وداخل السينما نفسها فرصة كبيرة في اللوبي والشاشات والمجسمات والعروض الخاصة وطريقة ظهور الفيلم في تطبيقات الحجز؛ فالجمهور هناك أمامك وهو في مزاج شراء تذكرة، وتلك من أقوى لحظات التسويق.

وهنا نقطة أعدها من أهم أجزاء العمل: التسويق والبرمجة يتحركان معًا. لا معنى لأن تصنع طلبًا قويًا على فيلم ثم لا يجد الجمهور عرضًا يناسبه. إن خلقت ضجة في مدينة فيجب أن يكون الفيلم متاحًا فيها، وإن رأيت تفاعلًا من جمهور معين فيجب أن تعرف هل عدد الحفلات يناسب الطلب، وإن كانت أوقات العرض غير مناسبة فقد تخسر أثر حملة كاملة. ولهذا فالعلاقة مع الموزع ودور العرض أساسية، فالهدف النهائي ليس أن يعرف الناس الفيلم بل أن يشتروا تذكرة.

والوقت نفسه جزء من الحملة. فكلما تأخر الإطلاق تحولت الحملة إلى سلسلة إعلانات سريعة، بلا وقت لبناء قصة أو اختبار ردود الفعل أو تغيير الاتجاه. أما البدء مبكرًا فيتيح بناء الوعي تدريجيًا: العالم، ثم الشخصيات، ثم القصة، ثم الدفع نحو شراء التذكرة. والأهم أنه يتيح لك أن تتعلم من الجمهور أثناء الحملة، فما تظنه أهم عنصر في الفيلم قد لا يكون هو ما يلتقطه الناس، وقد يكشف لك الجمهور زاوية لم تكن في خطتك أصلًا؛ فاجعل حملتك مرنة بما يكفي للاستفادة من ذلك.

ومن أفضل ما يفعله من يريد دخول هذا المجال أن يدرب نفسه على تحليل الحملات: أن يتابع كيف تُطلق الأفلام في السعودية ومصر والهند وكوريا وأمريكا، لا أن يشاهد المواد فحسب وأن يبدأ بسؤال. لماذا نزل هذا التريلر الآن؟ ولماذا بدأوا بهذه الشخصية؟ ولماذا أُقيم العرض الأول في هذه المدينة؟ ولماذا ركز على عنصر وأهمل آخر؟ ومع التكرار تبني حدسًا، أسميه «عضلة التسويق»، تجعلك تنظر إلى أي حملة فتفهم المنطق خلفها حتى دون معرفة تفاصيلها.

لنأخذ مثالين«مندوب الليل» مهم عندي؛ لأن الرياض فيه ليست خلفية بل جزءا من شخصية الفيلم: الليل والشوارع والتوصيل والمطاعم والأضواء والأماكن التي يمر بها البطل صنعت صورة لمدينة يعرفها الجمهور لكن بشكل سينمائي مختلف. ولم نكن بحاجة إلى اختراع علاقة بين الفيلم والرياض؛ لأنها موجودة داخل العمل أصلا. وهذا درس مهم: أحيانا أفضل فكرة للحملة موجودة -بالفعل- داخل الفيلم، ومهمتك أن تكتشفها وتكبرها. فحين يشعر الجمهور أن مدينته ليست موقع تصوير بل جزء من القصة، تنشأ علاقة شخصية لا يصنعها أي إعلان مباشر بسهولة.

«هوبال» فيقدم درس مختلف، من أهم الفرص في السوق السعودي ليست أن تجعل جمهور السينما يختار فيلم سعودي، ولكن أن تصل لجمهور جديد إلى السينما نفسها، وهذا أصعب بكثير لأنك لا تنافس فيلم آخر بل تحاول تغيير عادة. فقد يرى جمهور نفسه في البيئة أو الشخصيات أو القصة دون أن يكون من رواد الصالات، وهنا تبدأ من مكان آخر: ما الذي يهمه؟ ومن يتحدث لغته؟ وأين يوجد؟ وما الذي يشعره بأن هذه التجربة له؟ و«هوبال» مثال على أن الفيلم المحلي يمكن أن يوسّع قاعدة السوق بدل أن ينافس داخلها فقط، وهذا في رأيي من أهم ما تحتاجه السينما السعودية اليوم: أفلام لا تخاطب الجمهور الموجود فحسب، بل تجلب جمهورًا جديدًا بالكامل.

وفي النهاية، لا نبدأ من سؤال: ماذا سننشر؟ بل من: من نريد أن يشتري تذكرة هذا الفيلم؟ ثم نسأل: لماذا سيهتم؟ وما نقطة دخوله؟ ومن يستطيع أن يخاطبه؟ وأين سنقابله؟ وما الذي ينقله من الاهتمام إلى الشراء؟ علينا أن نفهم الفيلم لا الإعلان فقط، والجمهور لا الأرقام فقط، وشباك التذاكر لا السوشيال ميديا فقط. فالتسويق السينمائي ليس أن يسمع بالفيلم أكبر عدد ممكن من الناس، بل أن يشعر الشخص المناسب بأن هذا الفيلم يخصه، ثم أن يكون الطريق من هذا الشعور إلى شراء التذكرة أقصر وأسهل ما يمكن.»

التسويق بالمجتمعات - Community Marketing

التسويق بالمجتمعات - Community Marketing

بناء مجتمع متفاعل حول علامة أو عمل ما بدل الاكتفاء بالوصول الإعلاني.

القصة التسويقية - Marketing Narrative

القصة التسويقية - Marketing Narrative

الإطار القصصي الذي تستخدمه العلامة التجارية لنقل قيمها ووعودها للجمهور، بحيث تلمس مشاعرهم وتتوافق مع نظرتهم للعالم.

التسويق الشفهي - Word of Mouth (WOM)

التسويق الشفهي - Word of Mouth (WOM)

ترويج منتج أو خدمة من خلال الحديث الشخصي بين الناس دون تدخل مباشر من العلامة.

اقرأ المقال التالي