
عبارة «صُنع في السعودية» كأداة تسويقية
كيف تحولت عبارة «صُنع في السعودية» من مجرد معلومة عن بلد المنشأ إلى أداة تسويقية تؤثر في نظرتنا للمنتج وقرارنا بشرائه؟
حين تقول علامة تجارية إن منتجاتها تستحق الثقة، فإنها تبدأ حديث طويل تحاول فيه إثبات كل كلمة قالتها؛ فلماذا نثق بها؟ وما الذي يميزها؟ ومن جربها قبلنا؟
تنفق العلامات مبالغ طائلة على صناعة الرسائل وتكرارها، وتبحث عن أشخاص يمنحون كلامها مصداقية، وعن قصص تقربها من الجمهور، وعبارة مثل «صُنع في السعودية» تختصر الكثير من هذا الجهد، فنحن نفهم ما تريد قوله قبل أن تشرحه، ونجد سببًا للاهتمام بالمنتج قبل أن نتعرف على تفاصيله. فما الذي يمنح هذه الثلاث كلمات قدرة تحتاج العلامات إلى سنوات حتى تمتلكها؟
التسويق ببلد الصنع
إظهار بلد الصنع قرار تسويقي؛ فالعلامة حين تبرزه على واجهة المنتج، تستدعي الصورة التي نحملها عن ذلك البلد قبل أن نتعرف إلى المواصفات. فعبارة «صُنع في ألمانيا» تستدعي الدقة والجودة، واليابان ترتبط بالإتقان والتقنية، بينما ما زال البعض يربط الصناعة الصينية بانخفاض الجودة، رغم تفاوت منتجاتها وتقدمها في صناعات عديدة. وهذه الصور تؤثر في قرارنا، وتمنح المنتج سمعة تسبق تجربتنا له.
ولهذا تكتسب طريقة عرض بلد المنشأ أهمية أيضًا، فنجد أحيانًا عبارة «Made in PRC» بدلًا من «Made in China»، وكلتاهما تعني التصنيع في الصين، لكنهما قد لا تستدعيان الصورة نفسها لدى من لا يعرف الاختصار. ورغم أن الصياغة وحدها لا تثبت تعمد إخفاء المنشأ، فإنها توضح الفرق بين كتابة المعلومة والمعنى الذي يصل إلى المستهلك.
كما تجتهد بعض العلامات في إظهار صناعتها المحلية؛ «أبيات» مثلًا تخصص أقسامًا كاملة في معارضها للمنتجات المصنوعة في السعودية، وتجعل بلد الصنع حاضرًا أمام المشتري وهو يقارن بين الخيارات ويحدد ما يناسب بيته.

وعندما نقرأ «صُنع في السعودية» أثناء جولتنا داخل معرض «أبيات»، يدخل عامل آخر يؤثر على قرارنا في الشراء، فأنت لن تختار القطعة فقط لأنها بالحجم المناسب واللون المناسب والخامة المناسبة، لكن لأنك تشعر بدرجة من الإنتماء تجاهها. مثل هذه القرارات قد نرى آثارها في حقيقة أن «أبيات» قد وصلت بالفعل لأكثر من مليون منزل داخل السعودية. والجدير بالذكر هنا كذلك، أن الصناعة السعودية هنا لا تقتصر على التفاصيل النهائية، هي فعليًا جزء أساسي من المنتج، من الأبواب الداخلية وحتى قطع الألومنيوم، تُصنّع بالكامل داخل مصانعها في السعودية.

قرار عاطفي؟
ثم تأتي لحظة الشراء وفيها يأخذ هذا المعنى شكل شخصي وعاطفي، فيرى المستهلك أن في اختياره مساهمة، ولو محدودة في شيء يرغب في نموه، وقد يقول لمن حوله: «هذا صنع عندنا»، وفي الجملة اعتزاز بالقدرة على الإنتاج، ورضا عن المشاركة في دعمها، وهنا تكتسب السلعة معنى إضافيًا؛ فهي تؤدي وظيفة يحتاجها صاحبها، وتمنحه في الوقت نفسه فرصة للتعبير عن موقفه من الصناعة المحلية ومستقبلها.
لكن هذا الدافع لا يلغي حسابات الشراء، ولا يجعل الناس متشابهين في أولوياتهم، فالسعر والتصميم والجودة والحاجة الفعلية تبقى حاضرة، وقد تكون حاسمة، ما تمنحه العبارة هو سبب إضافي للنظر إلى المنتج، وربما ترجيحه حين تتقارب الخيارات، أما افتراض أن الانتماء يكفي لتمرير أي سعر أو تجاوز أي عيب، ففيه سوء فهم للمستهلك، وللمعنى الذي تحاول العلامة الاستفادة منه؛ فمن يختار المنتج المحلي رغبة في نجاحه، يحق له أن ينتظر منه ما يستحق هذا الاختيار.
الثقة عند أول استخدام
لهذا تبدأ مسؤولية العلامة من المصنع والمواصفة بقدر ما تبدأ من الرسالة، عليها أن توضح ما تصنعه محليًا، وأن تمنح المشتري معلومات تساعده على تقدير الجودة، وأن تسند الوعد بخدمة تتحمل تبعاته، فالثقة التي تسبق الاستخدام تمنح فرصة ثمينة، لكنها ترفع التوقعات أيضًا، وحين يخيب المنتج هذه التوقعات، قد يشعر صاحبه أنه أخطأ في الثقة التي منحها له، خصوصًا إذا كان قد دافع عن اختياره أمام الآخرين.
وكامتداد لمثال «أبيات» فإن قيمة هذا الحضور في الحقيقة هي في فهم احتياجات البيت السعودي، من المساحات والتخزين إلى طبيعة الضيافة، وانعكاسها على تفاصيل المنتج؛ فحين يأخذ المشتري القطعة إلى منزله، تبدأ تجربته في إثبات ما وعدته به، ويصبح لديه سبب ملموس للثقة بما تصنعه «أبيات» محليًا وتتكون لديه قناعة أن المنتجات المصنوعة محليًا صُممت بالكامل لتناسب احتياجاته هو بالمقام الأول.
«صُنع في السعودية» لا تحتاج إذن إلى تسويق معناها من البداية، لكنها تحتاج إلى منتجات تضيف إليه، لأن تجربة كل علامة تشارك في تشكيل الصورة التي نحملها عن الصناعة المحلية كلها، وقد يبدأ الشراء برغبتنا في دعم ما نصنعه، وبعد التجربة نعرف أن الرغبة بشراء المنتج الوطني تجاوزت دعم الانتماء والوطن.
