كيف نفهم المجتمع من خلال الإعلانات؟
تعد الإعلانات مرآة للمجتمع؛ فمن تفضيلاته، ونجاح العلامات أو تراجعها، نستطيع أن نقرأ ما يشغله ويحركه، فكيف يمكننا أن نفهم المجتمع من خلالها؟

يسعى المثقفون عادةً إلى فهم المجتمع من خلال تحليل إنتاجه الثقافي والفني، غير أن المسوق يسلك المسلك ذاته بدافع مختلف؛ إذ يفهم المجتمع لا حبًّا في الفهم، وإنما لخدمة هدف ربحي واضح. ليتمكن من إنتاج رسائل تشبه جمهورها وتلامس همومه.
تنفرد الإعلانات بين سائر الخطابات بقدرتها على التماهي مع المجتمع، خلافًا للخطاب الفني أو الثقافي الذي كثيرًا ما يسبق الجمهور أو يصادمه. والإعلان في جوهره أداة مزدوجة الغاية: يرفع المبيعات، ويبني صورة العلامة التجارية ويعزز سمعتها في الوجدان الجمعي.
من هنا، تغدو الإعلانات مرآةً صادقة للمجتمع؛ فمن تفضيلاته، ونجاح العلامات أو تراجعها، نستطيع أن نقرأ ما يشغله ويحركه.
الاستهلاك الرمزي
يرى «سوسير » (Saussure) أن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية؛ إذ لا تحمل الأشياء في جوهرها معنىً ثابتًا، وإنما نحن من نمنحها إياه عبر الاتفاق الاجتماعي والممارسة اليومية. فكلمة «مكتب» ليس فيها من المعنى شيء بذاتها، واكتسبته بالاتفاق الاجتماعي لا غير. وسع «رولان بارت» (Roland Barthes) هذه الفكرة حين تجاوز حدود اللغة نحو الخطاب الثقافي بأكمله، مؤكدًا أن كل شيء في المجتمع قابل للقراءة بوصفه منظومة علامات: من الملابس والطعام إلى الإعلانات والصور. والمعنى عنده لا ينبثق من الأشياء نفسها، وإنما ينتج مما يتداوله الناس ويستهلكونه، ومما تعيد وسائل الإعلام والإعلانات إنتاجه وترسيخه في الوعي الجمعي يومًا بعد يوم.
تعد الإعلانات من أكثر الخطابات تغلغلًا في الحياة اليومية؛ إذ تسعى إلى بناء علاقتين في آنٍ واحد: بين المنتج بوصفه دالًّا، وبين ما يعد به من معنى ورمز بوصفه مدلولًا، لتخلق بذلك حاجة لم تكن موجودة من قبل. وفي هذا يكمن جوهر الاستهلاك الرمزي؛ وهو أن يشتري المستهلك المنتج للمعنى الذي يحمله، وليس للمنتج ذاته.
حين بدأ المسوقون ببيع الثلاجة مطلع القرن العشرين، كان عليهم أولًا أن يخلقوا الحاجة إليها. فروجوا لفكرة أن صناديق الثلج التي اعتاد الناس عليها لسنوات تعرضهم لخطر البكتيريا والمرض، وكان هذا إنتاجًا رمزيًا: بتحويل الممارسة المألوفة إلى تهديد، والثلاجة إلى أمان ونظافة. لكن المسوقين لم يقفوا عند هذا الحد؛ فقد أضافوا إلى الثلاجة طبقات من المعنى: فأصبحت رمزًا للحداثة، وعلامة على المرأة المنزلية المثالية، ودليلًا على انتماء العائلة إلى عصر جديد. من اشتراها كان يمتلك صورة مثالية عن نفسه وعن مكانته.
وما فعله مسوقو الثلاجة لم يكن استثناءً، فحين أراد مسوقو الماس في منتصف القرن العشرين تحويل الخاتم إلى رمز للخطوبة، أطلقوا جملة «ألماس للأبد» (Diamonds are forever)، كانت الحملة إنتاجًا لمعنى جديد كامل. ربطوا الحجر بالوفاء والخلود والحب الحقيقي، حتى أصبح من يقدم خاتم ماس كأنه يقدم دليلًا على عمق مشاعره، ومن يتخلى عنه كأنه يتخلى عن شيء من الالتزام ذاته. وامتد هذا المعنى ليتجاوز الخاتم، فأصبح الألماس في حد ذاته دالًا على مكانة الرجل وقدرته على التعبير عن حبه بالصورة التي رسمها المسوق، وترسّخ هذا في الوجدان الجمعي حتى بات الناس يشترون الحجر وهم مقتنعون أنهم يشترونه بناءً على قرارهم هم.
هذا بالضبط ما تفعله الإعلانات؛ فهي لا تبيع منتجات بقدر ما تجيب عن أسئلة عميقة يحملها الإنسان: من أنا؟ وإلى ماذا أنتمي؟ وكيف يراني الآخرون؟ فالمنتج وسيط بين الفرد وهويته، وبين الفرد ومجتمعه. من هنا نقرأ الاستهلاك الرمزي وعلاقته بالدال والمدلول كمرآة لما يريد المجتمع أن يكون عليه، وما يخشى أن يُنظر إليه به.

الإعلان بوصفه فن
تعبر الإعلانات اليوم عن المجتمع بوصفها أحد فنونه؛ إذ تعمل بالآلية ذاتها التي يعمل بها العمل الفني في استحضار العاطفة وتحريك المشاعر. فالفنان يرتب الأشياء والأحداث بطريقة تجعل العاطفة تنبثق من تلقاء نفسها في ذهن المتلقي، وهذا بعينه الإعلان الناجح: لا يخبرك بما يجب أن تشعر مباشرةً ولكن يقودك إلى الشعور به وربطك بالمنتج من الداخل.
تمتلك شركات التسويق ميزانيات تفوق ما تملكه أي استديو فني، مما يمنح إنتاجها قدرةً على التأثير لا يبلغها فنان منفرد. والمشاعر التي تستحضرها إعلاناتها ليست مصطنعة بالضرورة، ولكن هي في جوهرها مشاعر إنسانية حقيقية مرتبطة بأعمق ما في الإنسان. غير أن هذه الآلية ليست حكرًا على الإيجابي؛ فقد يسعى الإعلان إلى زرع الكراهية أو الاحتقار تجاه المنافس، مستخدمًا الأداة الفنية ذاتها في اتجاه مغاير. وهذا يكشف أن الإعلان بوصفه فنًا سلاح محايد، قوته في يد من يوجهه لا في طبيعته هو. وفي الحالتين سواء أراد الإعلان أن يحببك أو يبغضك، فهو يظهر أنماط الكراهية السائدة في المجتمع، ومخاوفه، وحدوده بين المقبول والمرفوض.
ماذا تخبرنا الإعلانات المحلية؟
من يتتبع «ترند» الإعلانات اليوم يرى طغيان الطابع القصصي والاهتمام بالثقافة المحلية. وقراءة هذا الاهتمام تكشف عن مجتمع يعود إلى ثقافته ويحاول رسم صورته الجديدة انطلاقًا من أمجاد الماضي. غير أن هذا الاهتمام في عمومه ينبئ بمجتمع وقع في فخ استهلاكه الرمزي؛ إذ بات يستهلك صورة الماضي كما يستهلك أي سلعة، لا لأنها تعكس حقيقته، وإنما لأنها تمنحه شعورًا مريحًا يعفيه من مواجهة حاضره.
الإنتاج الثقافي اليوم يشهد بعد واضح بين الواقع وما يقدم عمومًا، والإعلانات بوصفها أحد أنواع هذا الإنتاج لا تختلف عن ذلك؛ إذ تتعمد في معظمها الابتعاد عن الواقع إرضاءً لمجتمع لا يتجرأ على مواجهة حقيقته. فالإعلانات لا تعكس دائمًا ما يعيشه المجتمع. تعكس ما يتمنى أن يكون عليه وما يخشى أن يُقال عنه. وما يُخفيه الإعلان ويصمت عنه هو ما يكشف المجتمع حقًا.
في 2017 أطلقت شركة جرير حملة «تشيل معك» الموجهة للطلاب بمناسبة العودة إلى المدارس. صَور الإعلان حزن الطلاب لانتهاء الإجازة، ثم انتقل إلى مشاهد من داخل المدرسة تجمع بين مضايقات المعلمين والزملاء. واجه الإعلان موجة واسعة من الانتقادات، وطالب كثيرون بتدخل وزارة التعليم، مما دفع متحدثها الرسمي إلى التصريح بأنه «إعلان غير موفق من شركة جرير ويكرس النظرة السلبية نحو المدرسة ونأمل أن تبادر الشركة وتحذف الإعلان».
ما يعنينا هنا هو تعاطي المجتمع مع هذا الإعلان، وليس ردة فعل الشركة وما تلاها. فالإعلان صور حالة حقيقية يعيشها كثير من الطلاب فعلًا، غير أن المجتمع لم يتقبّل رؤيتها معروضة أمامه بهذا الوضوح. ردة الفعل هذه تكشف عن طبيعة المجتمع نفسه أكثر مما تكشف عن خطأ في الإعلان؛ فثمة حقائق يتعايش معها الناس في صمت، ويتضايقون حين تُخرجها وسيلة إعلامية كبيرة من دائرة الخاص إلى دائرة العام. ولعل هذا ما جعل الإعلان يستفز؛ صدقه قبل أي شيء آخر.

من الإعلانات التي حققت أرقامًا كبيرة في الفترة الماضية كان إعلان «صندوق التنمية السياحي» بُني الإعلان على محاولة هدم الصورة النمطية عن السعودية بإظهار ثقافة الشعب وعاداته وتقاليده، فيبدأ بالصورة النمطية ثم ينفيها بإظهار ما يخالفها. ورغم أن غير السعوديين هم الجمهور المستهدف، إلا أن الإعلان في الوقت ذاته عبّر عن هوية السعودي، فالمدلول الحقيقي الذي سعى لترسيخه لم يكن الوجهة السياحية، وإنما صورة السعودي عن نفسه. حين اختار المعلن إظهار القهوة والضيافة والصحراء كان ينتقي الدوال التي تحمل أثقل المدلولات في الوجدان السعودي، وانتشاره الواسع لم يكن إلا دليلًا على أن المجتمع وجد فيه ما يعبّر عنهم «ويبرد خاطرهم».

الإعلانات المقارنة
تعتمد شركة «أبل» على استراتيجية العولمة المحلية، وهي استراتيجية تسويقية تقوم على تكييف منتجاتها وخدماتها لتناسب أذواق وثقافات الأسواق المختلفة. هادفةً إلى تحقيق الانتشار العالمي مع المحافظة على الخصوصية الثقافية، مما يخلق ثقافةً هجينةً تدمج بين التوجهات العالمية والهوية المحلية.
في إعلان آيفون 16 اختلف المحتوى من دولة إلى أخرى اختلافًا واضحًا. ففي السعودية اختارت أبل البر مكانًا للتصوير، واستعانت بمشهورين من جيلين مختلفين في محاولة للارتباط بالثقافة المحلية. ولم يكن ذلك إلا بدراسة المجتمع ومعرفتها بمكانة الرابطة العائلية فيه، فاختارت موقفًا يجمع الأب بابنه، وقدمته بأسلوب كوميدي يخفف وقع الموضوع ويجعله مألوفًا لدى المتلقي.
في المقابل جاء الإعلان الأمريكي أبسط بكثير؛ إذ اكتفى بتقديم شخصين تجمعهما علاقة غير محددة، وعرض الميزة التقنية باختصار دون سياق عاطفي أو اجتماعي. وهذا بذاته دلالة على أن المجتمع الغربي الفردي لا يحتاج إلى إطار جماعي لتقبل الرسالة؛ فالمنتج وحده يكفي. أما حرص «أبل» على تجنب ربط جهازها بفئة اجتماعية بعينها في السوق الأمريكية فهو قراءة في طبيعة ذلك المجتمع؛ مجتمع يحرص على الحياد ويرفض التصنيف. وهكذا يكشف الإعلان الواحد حين يقارن بنظيره عن شيء لا يصرح به أي منهما.

ختامًا
الإعلان في نهاية المطاف منتج ثقافي يكشف ما يريده المجتمع وما يخشاه وما يسكت عنه. فالمعلن يدرس مجتمعه ضرورةً لا حبًا، ومن هذه الضرورة تخرج إعلانات تشبه المجتمع أكثر مما تشبه المنتج؛ تستهلك رموزه وتستحضر عواطفه وتتكيف مع خصوصيته الثقافية.
وحين يهاجم إعلان كما جرى مع جرير، أو حين يختلف الإعلان الواحد بين ثقافتين كما فعلت أبل، فإن ما يظهر هو المجتمع نفسه بمخاوفه وقيمه وما يفضل إخفاءه. تتبع الإعلانات يخبرنا بما يؤمن به المجتمع وما يحلم بالوصول إليه. وربما كان أصدق ما يقوله الإعلان عن المجتمع هو ما يختار أن يتجاهله.