تفاصيل الهوية: لماذا تحولت «الشركة السعودية للكهرباء» إلى «السعودية للطاقة»؟
حين تُعيد مؤسسة بحجم «الشركة السعودية للكهرباء» تعريف نفسها، فهي ترسل إشارة للشركاء والمستثمرين والسوق بأن ثمة تحولًا حقيقيًا في الرؤية والدور. وهذا بالضبط ما حدث حين أعلنت الشركة عن هويتها الجديدة.

حين تُعيد مؤسسة بحجم «الشركة السعودية للكهرباء» تعريف نفسها، فهي ترسل إشارة للشركاء والمستثمرين والسوق بأن ثمة تحولًا حقيقيًا في الرؤية والدور. وهذا بالضبط ما حدث حين أعلنت الشركة عن هويتها الجديدة تحت اسم «السعودية للطاقة»، في خطوة تتوافق مع مسار إقليمي وعالمي أشمل نحو تقليل الانبعاثات الكربونية والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
لكن إعادة بناء هوية كيان بهذا الحجم، إحدى أكبر المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مهمة بالغة التعقيد. فهل جاءت الهوية البصرية الجديدة في مستوى طموح التحول؟ وأين أصابت وأين أخفقت؟

لماذا التحول؟
أقوى قرار في هذه العملية من الناحية الهيكلية كان تعديل اسم الكيان، حيث تحول من «الشركة السعودية للكهرباء» إلى «السعودية للطاقة». كلمة «كهرباء» تحصر المنظمة في مجال واحد، وبالتحول إلى «طاقة» تعيد الشركة نطاق أنشطتها. الهوية الجديدة تعانق تطوير مشاريع تخزين الطاقة الضخمة، ودمج الشبكات الذكية، وتسهيل نقل الطاقة بصورة متقدمة. هذه القفزة تشبه نجاحات إعادة الهيكلة في قطاع المرافق عالميًا، وتُرسل إشارة واضحة بأن الشركة اليوم ممكّن شامل للطاقة.
بالأهمية ذاتها جاء القرار بالاحتفاظ بكلمة «السعودية». في عالم الشركات المعاصر، تميل الكيانات الضخمة إلى استخدام أسماء مجردة لتبدو أكثر عالمية، غير أن التخلي عن المعرّف الوطني كان سيُشكّل خطأ استراتيجي. الاحتفاظ بـ«السعودية» يرسّخ العلامة في إرثها التاريخي، ويعكس الاستقرار، ويُبرز الهوية الوطنية.
ومع الاسم الجديد تبنت الشركة شعار: «حولك ومن أجلك». هذا الوعد يمثل نقلة من عقلية التركيز على البنية التحتية إلى فلسفة تتمحور حول العميل، ويُلزم العلامة بتقديم جودة خدمة أعلى وتفاعل رقمي أفضل.

القائمين على التحول
مبادرة بهذا الحجم تتطلب خبرات في تخصصات متعددة، ومن أبرز ما يستحق الإشادة في إطلاق «السعودية للطاقة» الشفافية في إعطاء الفضل علنًا لمجموعة وكالات متخصصة، وهي خطوة نادرة في مشاريع بهذا الحجم:
«مسبكة محرف» (MHRF): خط مخصص وشعار طباعي باللغتين العربية والإنجليزية.
«إنتربراند» (Interbrand): استراتيجية العلامة التجارية العالمية والهوية البصرية.
«سيزيام سون» (Sixième Son): الهوية الصوتية وهندسة الصوت.
«وكالة زان» (Zan Agency): التسمية والتموضع والاستراتيجية المحلية.
«دي دي بي» (DDB): الإعلان وتفعيل الحملات التواصلية.
«أكسنتشر سونق» (Accenture Song): التحول الرقمي وتجربة المستخدم
«لكجري كيه إس إيه» (LuxuryKSA): إدارة الفعالية وحفل الإطلاق.

إلى جانب الخط المخصص «SE Heartbeat» والهوية الصوتية، نشرت السعودية للطاقة أدلتها الإرشادية (Brand Guidelines) والأسئلة الشائعة عن هويتها للعموم، في حين تحتجز كبرى الشركات هذه الملفات خلف بوابات الموردين أو قنواتها الإعلامية. بهذا القرار ضمنت الشركة وضوح رسالتها، وحدّت من التشتت البصري في الإعلام.
الرؤية الفنية
تستثمر المملكة اليوم تراثها الغني وفلسفتها الجمالية في بناء وعي عالمي، غير أن هوية السعودية للطاقة البصرية تبدو منفصلة عن هذا التوجه. فباستثناء الخط العربي، تعتمد الهوية على طابع «عالمي» مجرد دون أي تلميح بصري يعبّر عن المملكة. لشركة تدعم مكانتها كمركز عالمي للطاقة، يُعدّ غياب الثقافة المحلية عن اللغة البصرية فرصة ضائعة، لا سيما أن الموروث البصري الوطني، من رموز وطبيعة وعمارة، يزخر بعناصر كان يمكن توظيفها.
الرمز الأساسي أيقونة مكوّنة من خطوط منحنية متدرجة اللون، يُفترض أنها تمثل تدفق الطاقة ونبضها. من منظور التصميم الوظيفي، تتداخل الأشكال بطريقة تخلق توترًا بصريًا عوضًا عن التناغم، وتبدو تقاطعاتها عشوائية، مما يُضعف قدرتها على تكوين شكل يسهل التعرف عليه من بعيد.
يعتمد الشعار تدرجات لونية مشبعة تنتقل بين الأزرق المتوسط والأزرق الفاتح والأخضر. ورغم حيويتها على الشاشات الرقمية، ترتبط هذه الألوان في الذهن بشركات البرمجيات الناشئة. لكيان يدير أصولاً بالمليارات، تفتقر هذه العائلة اللونية إلى الثقل المؤسسي الذي تستدعيه الموثوقية والرسوخ، وتخاطر بأن تبدو مرتبطة بلحظة بعينها لا بإرث متجذر.

ثمة ثغرة فنية تتجاوز شكل الشعار، تكمن في الاعتماد الكبير على التدرجات اللونية (Gradients). فرغم أنها تظهر بشكل مثالي على الشاشات، تبقى السعودية للطاقة في جوهرها شركة بنية تحتية، وشعارها مُستنسَخ باستمرار على محطات الضغط العالي وأبراج التبريد وأسطول المركبات وزي الموظفين وعدادات الكهرباء.
طباعة التدرجات على مواد ملموسة تتطلب تقنيات إنتاج مكلفة، وكثيرًا ما تعاني على الملصقات واللوحات المعدنية من ظاهرة «التحزز» (Color Banding)، أي خطوط انتقال قاسية تُفقدها انسيابيتها. يُضاف إلى ذلك أن الأصول المادية في المناخ السعودي تتعرض لحرارة قاسية وأشعة فوق بنفسجية مكثفة، وصبغات التدرج من الأزرق إلى الأخضر ستبهت بسرعات متفاوتة، مما يُفضي إلى مظهر غير متساوٍ بمرور الوقت. تغليب الجماليات الرقمية على متطلبات البيئة العملية يُرجّح ظهور تحديات مستقبلية في الحفاظ على اتساق العلامة.
اخيرًا ثمة تعديلات يمكن إجراؤها على الهوية الحالية دون المساس بجوهرها، منها: إعادة ترتيب عناصر الشعار، وتخفيف حدة التدرج اللوني نحو ألوان أكثر صلابة، وإضافة وعاء مميز حول الشعار يعزز تمايزه، والاكتفاء بالاسم الرسمي أو المختصر دون الجمع بينهما.
ختامًا
تحول الشركة السعودية للكهرباء إلى «السعودية للطاقة» دراسة حالة مثيرة في تعقيدات إعادة إطلاق هويات الشركات. فإعادة التموضع الاستراتيجي خطوة موفقة تضع الشركة على خط واحد مع التحول العالمي نحو المصادر المتجددة وأهداف «رؤية 2030». وقد نجحت «السعودية للطاقة» في تجاوز مرحلة بالغة التعقيد، وإن أبقت بعض العيوب التقنية في هويتها البصرية بابًا مفتوحًا لمراجعات مستقبلية. فالهوية الناجحة لا تُبنى مرة واحدة، وإنما تتطور مع كل مرحلة جديدة من مراحل المنظمة.











