خرائط المهنة في الاتصال المؤسسي: من أين تبدأ وإلى أين تتجه؟
من كونه أداة لنقل المعلومة وإبلاغ الجمهور بما يجري داخل المؤسسة إلى الجلوس على طاولة القرار وصناعة الرواية الكبرى كيف تحوّل الاتصال المؤسسي من وظيفة مساندة إلى شريك استراتيجي؟

الاتصال من ممارسة إنسانية إلى وظيفة مهنية
الاتصال ابتداءً يعتبر حالة إنسانية تقوم على فهم البشر، وقراءة السياقات، واستيعاب التفاعلات النفسية والاجتماعية التي تحيط بالتجمعات البشرية أينما وُجدت، فمع تطوّره واستحداث مجريات وسياقات حياتية ووظيفية جديدة، أصبح علمًا يدرّس وممارسة تنظيمية تُعنى بإدارة الرسائل والبيانات والخطابات وكل ما يتعلق بالعملية الاتصالية عمومًا، مما أنتج ما يسمى في يومنا هذا «الاتصال المؤسسي».
وفي مراحل متقدمة تحوّل الاتصال المؤسسي من كونه العمل المساند في آخر المراحل أو كما يُقال: «آخر العلاج الكيّ»، إلى شريك استراتيجي في صناعة القرار. فالمؤسسات اليوم تؤمن بضرورة هذه العملية من أولها إلى آخرها إذ تجاوزوا فكرة الإنجاز المجرد، ووصلوا إلى أبعاد أخرى من التفسير وكيفية رواية القصة، وماهيّة اختبار المعنى، والمحافظة على ثقة جمهورها في أوقات التعرض للأزمات.
ومن هنا تبدأ الرحلة المهنية للعاملين في مجال الاتصال المؤسسي، رحلة انتقال تدريجي من التنفيذ إلى التأثير، ومن الصياغة إلى القيادة، تتشكل عبر تراكم الخبرة، واحتكاك يومي بالممارسات الاتصالية داخل المؤسسات وخارجها.
الاتصال المؤسسي، وما وراء نقل المعلومة
كان الاتصال المؤسسي يُنظر إليه على أنه أداة لنقل المعلومة وإبلاغ الجمهور بما يجري داخل المؤسسة، أما اليوم يُنظر له بوصفه عملية واعية لصناعة المعنى، تُعنى بوضع الأحداث في سياقها الصحيح، وربطها بهوية المؤسسة وقيمها ورؤيتها طويلة المدى.
أصبح الاتصال المؤسسي إدارة متأنية ودراسة متعمقة للخطاب والرسالة الاتصالية عبر مختلف القنوات مع أصحاب المصلحة، سواء كانوا جمهورًا عامًّا أو موظفين أو شركاء أو صناع قرار.
هذا الاتساع للمفهوم اليوم جعل من التقاطع مع الثقافة التنظيمية، والعلاقة مع الإعلام، والتواصل في الأزمات، ودعم القيادة بالخطاب والرؤية الاتصالية، تكاملًا في إدارة الإدراك العام، وتوجيه التوقعات، وحماية السمعة بوصفها أصلًا استراتيجيًا طويل الأمد.
البدايات المهنية
غالبًا ما تبدأ الرحلة المهنية في الاتصال المؤسسي من خلفيات أكاديمية في مجالات مثل الاتصال، والإعلام، والعلاقات العامة، والتسويق. غير أن الواقع العملي سرعان ما يفرض حقيقة لا يمكن تجاوزها، فالمعرفة النظرية تفتح الباب، لكنها لا تُعلّمك كيف تتحرك داخل الممرات المهنية للمؤسسة، وكيفية التوازن بين ما يجب قوله وما يجب تأجيله أو حتى الصمت عنه.
في السنوات الأولى من خوض غمار المجال مهنيًّا، يتركز دور المبتدئ بالمجال الاتصالي على الاكتساب أكثر من العطاء، فهي بداية تراكم الخبرة وتعبئة القوالب الأكاديمية بالممارسات العملية، والتي تؤدي إلى فهم السياق الداخلي قبل تمثيل المؤسسة خارجيًا.
من الممكن أن تكون المسميات والمسؤوليات تنفيذية بطبيعتها، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر-:
المسميات الوظيفية:
- أخصائي اتصال مؤسسي.
- أخصائي علاقات عامة.
- منسق محتوى أو إعلام رقمي.
المسؤوليات:
- إعداد البيانات والأخبار.
- إعداد وإنتاج المحتوى اليومي.
- التنسيق مع وسائل الإعلام.
- دعم الحملات والفعاليات.
هنا يتكوّن الإدراك العميق للعمل الاتصالي، فالقيمة الحقيقية لهذه المرحلة تكمن في ما تبنيه من حس مهنيّ. فهي مرحلة تعلّم تُشكّل الأساس الأخلاقي والمهني لبقية الرحلة.
التحول المهني
ومع انتصاف الرحلة والخبرة التراكمية والفهم الواسع، يبدأ التطوّر الأوّلي في المسار المهني، ما يجعل الممارس شريكًا في العمليات الاتصالية وليس مجرد مُنفّذ للتوجيهات، فتتغير طبيعة العمل والتفكير لما يتطلبه العمل من التخطيط والإشراف وإدارة الفريق معه ليصبح أكثر تحليلًا وتساؤلًا مما صنعته التجربة والاتساع المعرفي والفهم المهني.
في هذه المرحلة يتولى المختص الأدوار والمسؤوليات الإدارية، فيصبح الاتصال المؤسسي أداة تفكير استراتيجي، تُسهم في توجيه القرار، وتدعم الإدارة العليا برؤية اتصالية متزنة، وتربط بين ما يُقال في المؤسسة وما يُراد تحقيقه. وهي نتاج الفهم الحقيقي لما تغيّر في الإدراك والسلوك.
تتجسد هذه المرحلة في:
المسميات الوظيفية:
- مدير الاتصال المؤسسي.
- مدير العلاقات العامة، أو مدير التواصل الداخلي.
المسؤوليات:
- بناء الخطط الاتصالية وربطها بأهداف المؤسسة العامة.
- تحليل أصحاب المصلحة وتوقع ردود أفعالهم.
- الإشراف على الفرق والشركاء الخارجيين.
- قياس الأثر الاتصالي، من مؤشرات الأداء.
- المشاركة في إدارة الأزمات والحوكمة.
القيادة الاتصالية
في المراحل العليا من الرحلة المهنية، يتحوّل الاتصال المؤسسي إلى طاولة القيادة كمستشار استراتيجي، والصوت العقلاني في لحظات الاحتياج الأكبر، يمكن وصفها مجازًا «الضمير الاتصالي». في هذا المستوى، تشمل المسؤوليات تقديم المشورة للقيادة العليا، وضمان وحدة الخطاب وترابطها مع الممارسة الفعلية.
ومما يُقاس به نجاح القائد الاتصالي، قدرته على استشراف المخاطر قبل تحوّلها إلى أزمات، وحماية الثقة بوصفها رأس المال الأهم للمؤسسة. وتتمحور حول معالم مناصب ومسؤوليات كالآتي:
المسميات القيادية:
- مدير عام الاتصال المؤسسي.
- رئيس الاتصال المؤسسي.
- رئيس السمعة والشؤون الاتصالية.
ملامح الدور القيادي:
- المشاركة الفعالة في صناعة القرار الاستراتيجي على مستوى الإدارة العليا.
- قيادة الخطاب في الأزمات والتحولات الكبرى.
- حماية السمعة المؤسسية على المدى الطويل.
- ضمان اتساق الرواية الكبرى للمؤسسة مع قيمها وأفعالها الفعلية.
سياق متغير: مهنة تتشكل مع العالم
يشهد الاتصال المؤسسي عالميًا تحولات متسارعة، تتماشى بالتوازي -وأحيانًا الاستباق- مع تغيّر سلوك الجمهور، وتسارع تدفّق المعلومات، وتصاعد أهمية الشفافية والأخلاقيات المهنية.
لقد أصبح الاعتماد على البيانات والتحليل جزءًا لا يتجزأ من الممارسة الاتصالية، كما تعاظم دور الاتصال الداخلي بوصفه أساس التماسك المؤسسي. وفي عالم يزداد ضجيجًا وتعقيدًا، سيظل الاتصال المؤسسي أحد أهم المهن الملتصقة بالإنسان، مهما بدت في ظاهرها مؤسسية.
والجدير بالذكر أن السعودية شهد فيها الاتصال المؤسسي نضجًا لافتًا في ظل التطورات في على جميع الأصعدة. فكان لزامًا أن يتنامى دور الاتصال الحكومي والتنفيذي، الذي تبلورت منه رواية وطنية ترسّخ الثقة، وتشرح التحولات، وترافق المجتمع في مسار التغيير والسرد القصصي للإنجاز ليصل إلى العالم.
ختامًا
بعد سبر أغوار الاتصال المؤسسي مهنيًا، تجوّلنا على طرقاته وبين جنباته في رحلة تعرفنا فيها عما يدور داخله، ابتداء بتعريفه وانتهاء بمستقبله، فالعمل في مجال الاتصال المؤسسي ليس مسارًا سريعًا، ولا مهنة لمن يبحث عن الظهور السهل، فهو يتطلب الوعي العالي، والصبر الجميل، والقدرة على العمل تحت الضغط دون فقدان الاتزان.
السؤال المطروح، إذا كانت هذه رحلة ولكل رحلة نهاية، فهل هذا يعني أن مجال الاتصال له حد سيتوقف عنده العلم والممارسات؟











