يشهد العالم اليوم تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التغيير، الأمر الذي يفرض على المنظمات والمؤسسات قدرة متزايدة على التكيف مع المتغيرات المتلاحقة في التقنيات الرقمية وسلوكيات الجمهور وقنوات الاتصال المتجددة؛ وفي ظل هذا التحول، أصبح تبني أنظمة بصرية أكثر مرونة ضرورة لتحقيق حضور مؤثر ومتسق عبر مختلف المنصات، بعدما تجاوز دور الهوية حدود الشعار الثابت الذي يمثل الجهة.
ويأتي مفهوم «الهوية المرنة» (Adaptive Identity) والأنظمة البصرية المتعددة في مقدمة الاستجابات لهذا التحول، بوصفه نقلة نوعية في طريقة بناء الهويات المؤسسية؛ إذ يتجاوز هذا المفهوم النظرة التقليدية التي تختزل الهوية في الشعار، ليرتكز على بناء نظام بصري متكامل قادر على التكيف مع مختلف الوسائط، مع الحفاظ على ثبات الشخصية البصرية والرسائل الجوهرية للعلامة. فالهوية الناجحة اليوم منظومة ديناميكية تتطور باستمرار، وتتفاعل مع محيطها، وتقدم تجربة بصرية تعزز حضور المنظمة وتواكب متطلبات العصر.
لماذا نحتاج إلى الهوية المرنة؟
مع تزايد المبادرات الوطنية والفعاليات والمنتجات الرقمية، واتساع حضور الجهات الحكومية والخاصة عبر مختلف المنصات، أصبحت الهوية البصرية تُختبر يوميًا في مئات التطبيقات؛ وتحول التحدي من تصميم شعار مميز أو اختيار ألوان زاهية، إلى الحفاظ على اتساق الهوية رغم تعدد المنفذين واختلاف الوكالات الإعلانية وتنوع البيئات التي تُطبق فيها.
وهنا يكمن أحد أكبر التحديات التي تواجه إدارات العلامات التجارية والاتصال المؤسسي عمومًا؛ فكلما كانت الهوية قائمة على قواعد جامدة، اقتصر تطبيقها غالبًا على وضع الشعار في زاوية التصميم وتكرار العناصر نفسها، حتى تفقد حضورها تدريجيًا وتتحول إلى قالب بصري باهت. أما الهوية المرنة فتوازن بين الحرية والانضباط؛ إذ توفر إطارًا واضحًا يحافظ على هوية المؤسسة، وتتيح في الوقت نفسه مساحة كافية لإنتاج تطبيقات متنوعة تلائم اختلاف المنصات والحملات والجمهور المستهدف.
يقاس نجاح أي هوية معاصرة بقدرتها على إنتاج تطبيقات جديدة تظل وفية لشخصيتها الأصلية، أكثر مما يقاس بعدد صفحات دليلها الإرشادي؛ فكل تطبيق ينبغي أن يبدو مختلفًا بما يكفي ليخدم غرضه، ومألوفًا بما يكفي ليدرك المتلقي فورًا الجهة التي تقف خلفه.
أبعاد الهوية المرنة
يظل البُعد البصري الأكثر وضوحًا: شعار يملك نسخًا متعددة (كاملة ومختصرة وأيقونة)، ونظام ألوان يتدرج بحسب القناة، وأنماط رسومية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها؛ ويمتد المفهوم إلى أبعاد أخرى:
البُعد اللغوي والصوتي (Tone of Voice & Sonic Identity): تمتلك الهوية المرنة «نبرة صوت» تتكيف مع الموقف؛ فالجهة الحكومية التي تخاطب المواطن عبر تطبيق خدمات تتحدث بلغة تختلف عن لغتها حين تخاطب المستثمرين في مؤتمر دولي، والمرونة هنا تعني امتلاك طيف لغوي واضح ومحدد: من الرسمي إلى الودود، ومن العربية الفصحى إلى اللهجة المحلية حين يتطلب السياق ذلك. أما صوتيًا، فقد أصبحت الهوية الصوتية اليوم ضرورة بعد أن كانت ترفًا.
البُعد التجريبي (Experiential Identity): كيف يشعر الإنسان حين يتفاعل مع المؤسسة، سواء دخل فرعًا حكوميًا، أو استخدم تطبيقًا رقميًا، أو حضر فعالية؟ تصمم الهوية المرنة «تجربة» متسقة في جوهرها ومتكيفة مع طبيعة كل نقطة تماس (Touchpoint)؛ فالتجربة في معرض دولي تختلف عن التجربة في مركز خدمة، وكلتاهما تحمل الإحساس والقيم نفسها.
البُعد السلوكي (Behavioural Identity): وهو الأعمق والأصعب: كيف يتصرف موظفو المؤسسة؟ وكيف يردون على الهاتف؟ وكيف يتعاملون مع الأزمات؟ تمتد الهوية المرنة الحقيقية لتشمل سلوك الأفراد الذين يمثلون العلامة، وتمنحهم إطارًا واضحًا يسمح لهم بالتصرف الطبيعي ضمن شخصية المؤسسة.
البُعد العطري (Scent Identity): تُعد الرائحة من أكثر العناصر قدرة على ترسيخ الذكريات واستحضار الانطباعات، رغم ندرة حضورها في أدلة الهويات؛ ويمكن للهوية المرنة أن تمتلك طابعًا عطريًا مميزًا يظهر في المقرات والفعاليات وصالات الاستقبال، بما يعزز ارتباط الجمهور بالمنظمة ويمنح تجربته بُعدًا حسيًا إضافيًا.
اليوم الوطني 95: «عزّنا بطبعنا»
تُعد هوية اليوم الوطني السعودي من أضخم الهويات المطبقة سنويًا على مستوى المملكة، حيث تتسابق آلاف الجهات الحكومية والخاصة لاستخدامها؛ وفي هوية اليوم الوطني «عزّنا بطبعنا 2025» تبرز أهمية «المرونة» من خلال الدليل الإرشادي الشامل الذي يوفر أنظمة بصرية متعددة: أنماطًا هندسية وخطوطًا وألوانًا وطرقًا لدمج الصور.
والأهم من ذلك دور هيئة الحكومة الرقمية في إصدار «كود المنصات» الذي يوحد تطبيق هذه الهوية عبر التطبيقات والمواقع الحكومية كافة؛ إذ يسمح هذا الكود البرمجي البصري لكل منصة حكومية بالتوشح بهوية اليوم الوطني برمجيًا وبشكل يتكيف تلقائيًا مع حجم الشاشة وتصميم الموقع، مما يضمن تجربة مستخدم ناجحة ويحافظ على هيبة العلامة الوطنية.

هوية كأس العالم 2034: أشرطة تتشكل لتروي قصة
حين نُلقي نظرة تحليلية على شعار ملف السعودية لاستضافة كأس العالم 2034 «ننمو معًا» (Growing Together)، ندرك فورًا أننا أمام هوية تتجاوز القوالب التقليدية الجامدة؛ فقد بُنيت بوصفها نظامًا مرنًا من الأشرطة الملونة المترابطة. وهذه الأشرطة، التي تحمل ألوانًا تعكس التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة، صُممت لتتشكل بطرق يصعب حصرها: يمكنها أن تلتف لتكوّن شكل كرة قدم، أو تمتد خلفياتٍ ديناميكية للشاشات، أو تتشابك لتزيّن الملاعب والمرافق. وهنا يتجلى جوهر الهوية المرنة: عنصر بصري أساس «الأشرطة» يمتلك قابلية التكيف مع أي مساحة، مع الاحتفاظ بشخصية بصرية تُدرك من النظرة الأولى، مما منح المتفاعلين أدوات منوعة للتفاعل مع الحملة التسويقية.

«السعودية للطاقة» و«طيران الرياض»: التكيف مع التحول
رافق التحولَ من «الشركة السعودية للكهرباء» إلى «السعودية للطاقة» في منتصف 2026م إطلاقُ هوية بصرية جديدة بخطوط انسيابية تعكس مفهوم الطاقة المتجددة والحركة المستمرة، في خطوة تجاوزت حدود تغيير الاسم؛ فقد صُممت هذه الهوية لتوضع على محطات التوليد الضخمة، ولتبدو في الوقت نفسه أنيقة وواضحة على تطبيق الهاتف الذكي للمستخدم، واعتمدت فلسفة خاصة للتطبيقات جعلت منها هوية عصرية مواكبة.
وبالمثل، بنى «طيران الرياض»، الذي بدأ رحلاته مؤخرًا، هويته بوصفها منظومة متكاملة؛ فاللون البنفسجي المميز، والمنحنيات المستوحاة من نافذة الطائرة وحركتها والكثبان الرملية، تمتد بمرونة من طلاء الطائرات الخارجي إلى واجهات التطبيقات الرقمية، وصولًا إلى أدق التفاصيل داخل المقصورة وصالة المسافرين، لتقدم تجربة بصرية متسقة تعكس هوية العلامة في كل نقطة تفاعل مع المسافر.


الخلاصة: من حامي الشعار إلى مُمكن الإبداع
تحول دور مديري الهوية والاتصال المؤسسي اليوم من دور الضابط الذي يرفض أي تصميم يزيح الشعار مليمترًا واحدًا عن مكانه، إلى دور الباني لأنظمة بصرية (Visual Systems) ذكية ومرنة؛ فعندما نبني دليلًا إرشاديًا يركز على كيفية استخدام العناصر البصرية عوضًا عن التركيز على قواعد الشعار والأنماط الجامدة، فإننا نمكّن المصممين وصناع المحتوى من إنتاج مواد إعلامية حيوية ومتجددة، تمنح المنظمة صوتًا متسقًا قادرًا على التحدث بأصوات مختلفة.

