استضاف «مجتمع مؤسسي» غير الربحي أحد مجتمعات «منصة بلكونة» النافذة التي تطلّ على قطاع التسويق والاتصال في المملكة، سعادة الأستاذ «رائد الجرباء،» وكيل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية لتجربة المستفيد، وذلك في ثاني جلسات «حوار مؤسسي» تحت عنوان «الاستراتيجيات طويلة الأمد ودور الاتصال المؤسسي»، والمنعقد بمركز الزوار في مؤسسة محمد بن سلمان غير الربحية «مسك» في الرياض، بحضور أكثر من 50 قائدًا ومتخصصًا وممارسًا في الاتصال المؤسسي من مختلف القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية.
ويُعد «حوار مؤسسي» أحد المنتجات المعرفية ضمن مبادرة «مجتمع مؤسسي»، التي تهدف إلى إيجاد منصة لتبادل الخبرات العملية والتجارب الوطنية في الاتصال، وتحويلها إلى رصيد معرفي متاح للممارسين والمهتمين في الاتصال المؤسسي عبر عدد من المنتجات المتنوعة، ومنها الجلسات الحوارية مع قادة الاتصال؛ للإسهام في تطوير الممارسات الاتصالية واستشراف مستقبل الاتصال المؤسسي في مختلف القطاعات.
مرتكزات اللقاء
التقاء التواصل المؤسسي بالاستراتيجية وصناعة الأثر
ركّز اللقاء على أربعة محاور رئيسة، شملت دور التواصل المؤسسي في تحقيق الرؤية والأهداف بعيدة المدى، بجانب وإدارة السمعة وبناء الثقة ودورها في استدامة المنظمات، وتعظيم قيمة تجربة المستفيد وأصحاب المصلحة، ومنهجيات قياس الأثر المساهمة في نجاح الاستراتيجيات.
وتعكس هذه المحاور تطور دور التواصل المؤسسي؛ ليصبح أحد الممكنات الاستراتيجية في المنظمات، من خلال الجمع بين التخطيط طويل المدى، وبناء العلاقات والثقة مع أصحاب المصلحة، وتحسين تجربة المستفيد، وتوظيف المنهجيات الحديثة؛ لرفع كفاءة الممارسات الاتصالية وتعظيم أثرها.
شراكة استراتيجية؛ دور التواصل المؤسسي لتحقيق الرؤية والأهداف بعيدة المدى
في المحور الأول، تحدّث الأستاذ رائد الجرباء عن الدور الاستراتيجي للتواصل المؤسسي في المنظمات لتحقيق الرؤية والأهداف بعيدة المدى، وأوضح بأنّ تحقيق المنظمات لمستهدفاتها الاستراتيجية يرتبط بالقدرة على تبني رؤى طويلة الأمد، تنطلق من فهم عميق لاحتياجات المستفيدين وتطلعات أصحاب المصلحة موسعة النطاق، ومن التركيز فقط على الأهداف المرحلية إلى ما هو أبعد لتحقيق الاستدامة وتعزيز الأثر المستقبلي.
ويُتابع في هذا السياق، مُبينًا بأنّ الإفراط في الانشغال بالأعمال اليومية يُمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه قيادات وإدارات التواصل المؤسسي؛ لما يُسببه من تراجع في توجيه التركيز نحو التخطيط بعيد المدى. وفي هذا الإطار، فإنه من المهم تخصيص نحو 40% من الجهود نحو الأعمال اليومية، بينما 60% تُوجه نحو التخطيط للمستقبل، لا سيّما للقيادات الاتصالية.
ما بعد نقل الرسالة؛ تجاوز التواصل المؤسسي الدور التقليدي ليقود التحول
تناول المحور الثاني في اللقاء قضايا إدارة السمعة وبناء الثقة ودورها في استدامة المنظمات؛ حيث أكد الضيف على أنّ التواصل المؤسسي تجاوز مرحلة دوره التقليدي في نقل الرسائل فقط، وأصبح اليوم شريكًا استراتيجيًا في قيادة التحول المؤسسي وبناء الثقة وتعزيز التفاعل، إضافة إلى كونه مُمكنًا من الممكنات الرئيسة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمنظمات.
وضمن هذا المحور، امتد النقاش نحو منهجية بناء السمعة المؤسسية بوصفها عملية استراتيجية طويلة الأمد ترتكز على مجموعة من العناصر، ومن أبرزها الثقة والقيادة وبيئة العمل والمسؤولية الاجتماعية والتميز المؤسسي، مع التأكيد على أنّ الرسائل الاتصالية يجب أن يُوجه التركيز فيها لمن هم في عمر 15 سنة وليس الجيل الحالي؛ إذ ذلك سيُساهم في بناء سمعة مؤسسية قوية عند هذه الأجيال؛ لتساهم في تحويل المحبين من هذا وقت الأزمات إلى جيش المؤيدين.
المستفيد هو الغاية؛ المنظمات الأكثر تأثيرًا تضع المستفيد في مركز عملياتها وقراراتها
وعلى صعيد تعظيم قيمة تجربة المستفيد وأصحاب المصلحة، أوضح الجرباء في المحور الثالث أنّ تجربة المستفيد أصبحت تُمثل قيمة محورية يجب أن تنعكس في جميع السياسات والممارسات والرسائل المؤسسية. كما أكّد على أنّ المنظمات الأكثر قدرة على تحقيق الأثر المستدام هي تلك التي تضع المستفيد في مركز عملياتها وقراراتها.
كما تناول في سياق هذا المحور، العلاقة الوثيقة بين تجربة المستفيد والسمعة المؤسسية، مؤكدًا على أنّ جودة المنتجات والخدمات تُعد من أبرز العوامل المؤثرة في بناء الانطباعات والثقة. وعليه، فإنّ قائد ومسؤول التواصل المؤسسي عليه المبادرة لقيادة ومتابعة تجربة المستفيد بنفسه.
أثر يُقاس؛ السمعة أصل استراتيجي وقياس الأثر أداة لتقييم الفاعلية
سُلّط الضوء في المحور الرابع على منهجيات قياس الأثر المساهمة في نجاح الاستراتيجيات؛ إذ بيّن الضيف أهمية الاستفادة من الممارسات والخبرات المتنوعة من خارج مجال الإعلام والاتصال في تطوير العمل الاتصالي، مشيرًا إلى أنّ منهجية التفكير التصميمي تُعد من أبرز النماذج التي تعزز الابتكار وتنص على إشراك الجميع من مختلف المجالات لابتكار الحلول.
ويؤكّد بأنّ تنوع الخبرات في فرق التواصل المؤسسي يسهم في توسيع زوايا التفكير، وابتكار ممارسات أكثر فاعلية، وقراءة ما وراء المنجزات والعمل الاتصالي؛ بما يُحسّن القدرة على قياس الأثر وتعظيم النتائج الاتصالية.
نقاش مفتوح؛ أسئلة تفتح بابًا لتبادل الخبرات الاتصالية
واختُتمت الجلسة بنقاش مفتوح مع الحضور، تناول العلاقة بين التواصل المؤسسي والاستراتيجية، وتجربة المستفيد، وبناء فرق العمل، ودور القيادات في الموازنة بين الأولويات التشغيلية والتوجهات المستقبلية.
وفي معرض إجابته عن سؤال حول دور إدارات التواصل المؤسسي في تجربة المستفيد، رغم ارتباطها في كثير من المنظمات بإدارات أخرى، أكد الجرباء أن الصلاحيات تُكتسب بالمبادرة والإصرار والعمل المستمر، مشيرًا إلى أن جودة الخدمات والمنتجات ورحلة المستفيد تنعكس مباشرة على السمعة المؤسسية، مما يجعل هذا الملف جزءًا أصيلًا من مسؤوليات التواصل المؤسسي.
وحول الموازنة بين الاهتمام بالأجيال القادمة والمحافظة على ارتباط الجيل الحالي بالمنظمة، أوضح أن قادة الاتصال مطالبون بتوجيه الجزء الأكبر من اهتمامهم نحو المستقبل، مع عدم إغفال الحاضر، مؤكدًا أن الانشغال بالتشغيل والتفاصيل اليومية لا ينبغي أن يطغى على التفكير الاستراتيجي.
كما تناول النقاش تحديات استقطاب الكفاءات والخبرات المتنوعة إلى فرق التواصل المؤسسي، مؤكدًا أن بناء الفرق يتطلب الاستمرار في المحاولة والمتابعة والإصرار حتى تتهيأ الظروف المناسبة لتحقيق النتائج على المدى البعيد.
وفي حديثه عن التكامل بين التواصل المؤسسي وتجربة المستفيد، بيّن أن التواصل المؤسسي يمثل المظلة الأشمل؛ لأن جودة الخدمات والمنتجات وتجربة المستفيد تنعكس على الانطباعات والسمعة المؤسسية، مؤكدًا ضرورة تكيّف فرق الاتصال مع الطبيعة الإدارية لكل منظمة.
وعن التوازن بين المستهدفات السريعة والأهداف الاستراتيجية، شدد على أن الإنجازات قصيرة المدى لا ينبغي أن تصرف القيادات عن التخطيط للمستقبل، مع أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر والأهداف بعيدة المدى، وأن يبقى تركيز القائد منصبًا على المستقبل.
وفيما يتعلق بالقياس والتحليل، أوضح أن التخطيط المبكر يُعد من أهم الممكنات لمعالجة التحديات واتخاذ القرارات المناسبة بفاعلية قبل تفاقمها.
واختتم بالإجابة عن سؤال حول العلاقة بين فريق الاستراتيجية وفريق التواصل المؤسسي، مؤكدًا أن المنظمة تمتلك استراتيجية واحدة ينبغي أن تتكامل معها جميع الإدارات، وأن انشغال إدارات التواصل بالأعمال التشغيلية قد يُبعدها عن دوائر التخطيط الاستراتيجي، ويحول دورها إلى دور مساند بدلًا من أن تكون شريكًا في صناعة القرار، مختتمًا بقوله: «مكانة إدارة التواصل المؤسسي حيث هي وضعتها ضمن المنظومة»، في إشارة إلى أنّ قربها من مركز صناعة القرار مرهون بقدرتها على التركيز على المستقبل الاتصالي للمنظمة.

