الحقيقة خلف التسرب الوظيفي في وكالات التسويق

لوحظ مؤخرًا تصاعد في معدلات التسرب الوظيفي بقطاع الدعاية والإعلان في السعودية؛ ما أثار تساؤلًا جوهريًا: هل يمثل هذا القطاع مسارًا مهنيًا مستدامًا لبناء حياة مستقرة، أم أنه مجرد مرحلة؟

الحقيقة خلف التسرب الوظيفي في وكالات التسويق

في تقرير صدر عن شركة «ذا بروفيشنالز» بالتعاون مع «اللجنة الوطنية للدعاية والإعلان»، ظهر ارتفاع معدلات التسرب الوظيفي كواحد من أبرز التحديات التي تواجه قطاع الدعاية والإعلان في السعودية. وهذه، في الحقيقة، ليست معلومة مفاجئة لأي شخص سبق وأن عمل في وكالة تسويق. فالمشهد يتكرر كثيرًا: موظف يدخل المجال بشغف، يتعلم بسرعة، يفهم اللعبة وأدواتها، ثم يختفي بعد فترة قصيرة.

المسألة هنا أعمق من حكاية صبر أو قدرة على التحمل. المسألة تتعلق بطبيعة القطاع نفسه، وبالسؤال الذي يتردد في ذهن كثير من العاملين فيه: هل هذه مهنة يمكن أن تبني عليها حياة كاملة، أم أنها مرحلة ثرية ومكلفة في الوقت نفسه؟

التسويق كمحطة عبور

كثيرون يدخلون الإعلان وهم يعرفون أنه مدرسة ممتازة. في وقت قصير، يتعلم الإنسان كيف يفكر تحت الضغط، وكيف يكتب، وكيف يبيع فكرة، وكيف يقرأ السوق، وكيف يتعامل مع عملاء بخلفيات وتوقعات مختلفة. هذه مكاسب حقيقية، ولهذا قد يبدو القطاع مغريًا في البداية. لكنه، عند عدد كبير من العاملين، يبقى مساحة للتعلم أكثر من كونه بيتًا مهنيًا طويل الأمد. 

وتيرة سريعة ومُتطلبة

جزء كبير من الحكاية يرتبط بالإيقاع اليومي. من الخارج، يبدو عالم الوكالات حيوي، سريع، ممتع، ومليئ بالأفكار البراقة. أما في الداخل، فاليوم العادي له صفات أخرى: مواعيد تسليم صعبة، تعديلات متكررة، عملاء يبدلون آرائهم فجأة، ومهام لا تتوقف بعد انتهاء ساعات العمل. هذا الإيقاع السريع والمُتطلب ينجح في استنزاف حتى أفضل العقول خلال مدة قصيرة. وفقًا لـ «تقرير الوكالات 2025» (Agency Report 2025) الصادر عن (Resource Guru)، فإن 95% من الموظفين في الوكالات التسويقية يعملون لساعات إضافية بشكل مستمر، بينما يعمل 88% منهم خلال عطلات نهاية الأسبوع. وأشارت دراسة (HR.com) لعام 2026 إلى أن 61% من حالات الاستقالة في هذا القطاع كان دافعها الأساسي هو «أعباء العمل المفرطة».

بلكونة

الجهد مقابل العائد

حين يشعر الموظف أن ما يبذله في العمل من جهد وتركيز تفوق بكثير المقابل الذي يحصل عليه، تبدأ المسافة بينه وبين المهنة في الاتساع. أحيانًا يكون السبب راتبًا لا يوازي الجهد، وأحيانًا يكون غياب التقدير، وأحيانًا أخرى يكون شعورًا داخليًا بأن العمل طغى على بقية جوانب حياته. وفي لحظة كهذه، يصبح البحث عن «مخرج» مُبرر ومنطقي. حسب بيانات «Payscale» و«Naukrigulf» يبلغ متوسط راتب أخصائي التسويق في السعودية لعام 2026 حوالي 5,000 إلى 9,000 ريال شهرياً للمبتدئين، في حين تبدأ رواتب المستشارين في الشركات الأربع الكبرى (Big Four)؛ وهي: Deloitte، وPwC، وEY، وKPMG، من 25,000 ريال، وتصل في شركات الاستراتيجية «MBB» إلى أكثر من 45,000 ريال شهرياً للفئة العمرية ذاتها. كما حددت «وزارة الموارد البشرية» في يناير 2026 حدًا أدنى لأجور السعوديين في مهن التسويق الخاضعة للتوطين بنسبة 60٪ بمبلغ 5,500 ريال، وهو رقم يراه المختصون غير جاذب للكفاءات الطموحة مقارنة بتكاليف المعيشة.

بلكونة

حين تغيب الطمأنينة المهنية

ويزيد الأمر تعقيدًا حين يفتقد الطريق المهني إلى الوضوح. يستطيع الإنسان أن يتحمل ويبذل حين يعرف إلى أين يتجه، وحين تكون الصورة لما ينتظره بعد ثلاث سنوات أو خمس واضحة ومقنعة. أما حين يعمل بجد كل يوم من دون يقين بالذي ينتظره بعد هذا كله، فإن الحماس يبدأ بالتآكل. ما المهارة التي تستحق التركيز؟ ما الخطوة التالية؟ هل يتقدم فعلًا أم أنه يدور في نفس الحلقة لكن بوتيرة أسرع؟

دور الإدارة

وفي قطاع شديد الوتيرة ومُجهد مثل قطاع الدعاية والإعلان،فالإدارة تلعب دورًا حاسمًا. الفرق كبير بين بيئة عمل صعبة تقودها إدارة ناضجة، وبيئة صعبة تديرها الفوضى. المدير الجيد يعرف كيف يوزع الضغط، وكيف يحمي فريقه من العبث، وكيف يمنح للتعب معنى. أما الإدارة المرتبكة، فتستطيع أن تجعل أبسط مشروع عبئًا ثقيلًا. لهذا السبب، كثير من المغادرين لا يهربون من القطاع نفسه بقدر ما يهربون من طريقة إدارته.

هشاشة القطاع

كما أن هناك شعور واسع بأن القطاع أكثر هشاشة من غيره كونه مرتبط بحركة السوق، بميزانيات العملاء، بتبدل الأولويات، وبالمزاج العام الذي يتغير بسرعة. وهذه طبيعة مفهومة في المهنة. لكن بالنسبة للموظف، حين يقارن هذا الواقع بقطاعات أكبر وأكثر استقرارًا، يشعر أن الخيارات الأخرى تمنحه أرضًا أكثر صلابة ومسارًا أوضح وقدرة أعلى على التخطيط. تؤكد بيانات «رافيو 2026» (Ravio 2026) أن وظائف التسويق هي «الأولى في مواجهة خطر الإلغاء» عند حدوث أي ركود اقتصادي أو تقليص للميزانيات. فانتقال الموظف إلى جهة حكومية أو شركة كبيرة في قطاع آخر ليس سوى محاولة مفهومة للبحث عن حياة أكثر انتظامًا، وعن وقت يمكن ترتيبه والتنبؤ به، وعن مستقبل يسهل تصوره والتخطيط له. 

الخلاصة، 

قد يملك قطاع الدعاية والإعلان الكثير من الجاذبية والحيوية، لكنه ما زال، في نظر عدد كبير من العاملين فيه، قطاعًا لم يكتمل فيه بعد معنى الطمأنينة والنضج المهني. الناس يحبون المجال ويدخلونه بشغف وحماسة، ويتعلمون فيه بسرعة، ويخرجون منه بأدوات قوية وخبرة نادرة. لكن الاستقرار المهني يحتاج إلى أكثر من الحب والإثارة. يحتاج إلى وضوح، وتقدير، وإدارة جيدة، ومسار يمكن الوثوق به. وحين تتأخر أو تُهمل هذه العناصر، يبقى القطاع مكانًا يمر به كثيرون، ثم يواصلون الطريق إلى مكان يرونه أصلح لبناء بقية حياتهم المهنية.

محطة عبور - Stepping-stone

محطة عبور - Stepping-stone

بيئة عمل مؤقتة تُستخدم لاكتساب الخبرة والمغادرة.

الطمأنينة المهنية - Career Security

الطمأنينة المهنية - Career Security

الشعور بالاستقرار واليقين تجاه المستقبل الوظيفي.

التسرب الوظيفي - Employee Turnover

التسرب الوظيفي - Employee Turnover

معدل ترك الموظفين للعمل واستبدالهم بغيرهم.

اقرأ المقال التالي