
ما الأزمة التي يمر بها قطاع التسويق والتواصل؟
تقرير يرصد انتقال قطاع الإعلان في السعودية من التضخم وإنفاق الوفرة إلى كفاءة الإنفاق وقياس الأثر، مبينًا أثر الذكاء الاصطناعي والبيانات في إعادة تشكيل خدمات الوكالات وتداخل المهن ونماذج التسعير.
يشهد قطاع التسويق والتواصل في السعودية تحولات تؤثر في حجم الإنفاق وطبيعة الخدمات وطريقة عمل الوكالات. ويأتي الذكاء الاصطناعي والاعتماد على البيانات في مقدمة العوامل التي تقود هذا التغير، بالتزامن مع مراجعة الجهات لأولوياتها والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تؤثر في قرارات الاستثمار. وفي هذا التقرير، نتناول دور التقنية والبيانات في تصحيح مسار السوق بعد مرحلة من التوسع رافقها تضخم في الأسعار وحجم الأعمال، وإنفاق تجاوز الحاجة الفعلية في بعض المشاريع.
كان نمو الطلب مفهومًا في بلد يشهد هذا العدد من التحولات. فالمشاريع الجديدة تحتاج إلى تعريف، والخدمات تحتاج إلى شرح، والجهات تحتاج إلى التواصل مع جمهورها. لكن وفرة الطلب سمحت، باتساع المسافة بين ما تدفعه الجهة وما تحتاج إليه فعلًا. صار من الممكن أن يمتلك مشروع صغير حملة كبيرة، وأن تستمر جهة في إنتاج المحتوى لأن لديها ميزانية وجدول نشر، حتى لو لم يكن لديها ما يستدعي كل هذا الحضور.
وساعد غياب أدوات قياس الأثر في السوق السعودي على استمرار هذا التضخم. فالجهة تستطيع معرفة عدد المواد التي أنتجتها، والمشاهدات التي حققتها، لكنها تفتقر إلى ما يوضح أثر هذا العمل في فهم الناس وسلوكهم وعلاقتهم بها. ومع هذا الغياب، يصبح حجم الإنتاج مبررًا للصرف، وتكسب الأعمال الظاهرة في التقارير أهمية قد تتجاوز فائدتها الفعلية.
وتظهر مشكلة هذا النموذج حين تبدأ مراجعة الميزانيات. فالإدارة التي لا تعرف ما أضافه التواصل إلى عملها ستجد صعوبة في الدفاع عن تكلفته، خصوصًا حين تقارنه باحتياجات أخرى أوضح أثرًا. ومن هنا نفهم تقديم الجهات الحكومية أولويات أخرى على التسويق والتواصل؛ إذ إن غياب القياس يضعف قدرة القطاع على إثبات أهميته داخل الجهة نفسها.
وتؤكد ميزانية السعودية لعام 2026 كفاءة الإنفاق وتوجيه الموارد إلى الأولويات. ونرى أن امتداد هذا التوجه إلى التواصل يزيد الحاجة إلى قرارات تستند إلى البيانات، وتوضح ما أضافه الإنفاق إلى عمل الجهة. وتمنح التغيرات الجيوسياسية والسياسية والاقتصادية هذا التحول مزيدًا من الإلحاح، مع ما تفرضه من مراجعة للالتزامات والميزانيات.
ونرى أن الذكاء الاصطناعي، حين يرتبط ببيانات جيدة، يمنح الوكالات الوسيلة العملية لهذا التحول. فهو يختصر أجزاء من الكتابة والتصميم والبحث وإعداد العروض، ويساعد على تحليل استجابة الجمهور ومقارنة البدائل قبل توجيه الميزانية. وكلما انخفض الوقت اللازم للتنفيذ، أصبح من الصعب تسعيره على الأساس السابق نفسه، وازدادت أهمية القرارات التي تساعد الوكالة عميلها على اتخاذها.
وتمنحنا دراسة PwC عن نضج الذكاء الاصطناعي في السعودية، المنشورة في 2026، مؤشرات محلية على تغير العمل داخل المنشآت. ونرى أن هذه التحولات تدفع الوكالات إلى مراجعة توزيع المهام وأسعار الخدمات، كلما أمكن إنجاز العمل بوقت وجهد أقل.
الذكاء الاصطناعي داخل المنشآت السعودية
المؤشر | العينة السعودية | المتوسط العالمي |
تحسن كبير أو كبير جدًا في إنتاجية الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي | 60% | 46% |
إعادة تصميم إجراءات العمل لدمج الذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة أو كبيرة جدًا | 51% | 32% |
مسؤولية مباشرة للقيادات عن نتائج الذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة أو كبيرة جدًا | 67% | 54% |
تتبّع منهجي لأثر الذكاء الاصطناعي على الأعمال بدرجة كبيرة أو كبيرة جدًا | 53% | 46% |
العائد التقريبي المبلّغ عنه لاستثمارات الذكاء الاصطناعي على مستوى الإدارات والوظائف | 30% | 37% |
المصدر: PwC، 2026، ص 8 و11 و13 و27. تستند النتائج السعودية إلى 35 مشاركًا من القيادات في منشآت تتجاوز إيراداتها 100 مليون دولار، ضمن دراسة شملت 1,217 مشاركًا عالميًا. وتعكس إجابات المشاركين، ولا تخص وكالات التسويق وحدها أو تمثل جميع منشآت السوق.
وتلفت الفجوة بين تحسن الإنتاجية والعائد المالي نظرنا إلى أهمية ربط استخدام التقنية بأهداف واضحة وبيانات تصلح لتقييمها. ونرى أن الوكالة تحتاج إلى معرفة نقطة البداية، وتجربة البدائل، ثم مراجعة ما تغير لدى الجمهور؛ حتى تستطيع تحويل الوقت الذي وفرته إلى نتيجة يستفيد منها العميل. وتساعدنا مؤشرات الدراسة على فهم هذا الانتقال، من دون أن نعدّها دليلًا على تحقق تصحيح السوق.
وهذا التحول له سابقة في تاريخ المهنة. فقد نقل الكمبيوتر وبرامج التصميم جزءًا من الأعمال التجارية التي يؤديها الخطاطون والرسامون إلى المصممين، وفرض مهارات وأشكالًا جديدة للإنتاج. واليوم يصل التغير إلى عدة مهن في الوقت نفسه؛ فالأداة الواحدة تستطيع المساعدة في النص والصورة والتحليل، وتمنح الموظف قدرة على المشاركة في أعمال كانت خارج اختصاصه.
وتشير دراسة لفورستر والجمعية الأمريكية لوكالات الإعلان، صدرت في يونيو 2026، إلى أن تسعًا من كل عشر وكالات تسويق أمريكية تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتوضح هذه النتيجة من السوق الأمريكية مدى دخول التقنية في عمل الوكالات، بينما يظل أثرها في السوق السعودي مرتبطًا بطريقة التعاقد وحجم الاعتماد على التنفيذ المتكرر.
تبرز هنا مسألة تداخل المهن. يستطيع كاتب المحتوى إعداد تصور بصري لفكرته، ويستطيع المصمم اقتراح نصوص تناسب عمله، ويستطيع مسؤول الحساب تجهيز مسودة خطة أو عرض. وبهذا تتراجع الحاجة إلى انتقال كل مهمة صغيرة بين عدة أشخاص، ويتغير شكل الفريق الذي يستطيع إنجاز المشروع.
المهن بين اختصار المهام وبقاء الخبرة
ما يحتاج إلى خبرة صاحب المهنة | تدخل الذكاء الاصطناعي | المهنة |
اختيار الفكرة، ودقة المعنى، وفهم القارئ السعودي | المسودات والتلخيص وتنويع الصيغ | لكتابة والتحرير |
توجيه العمل بصريًا، وحفظ اتساق الهوية، وتقييم التفاصيل | التصورات الأولية وتعديل المقاسات والنسخ | التصميم والإخراج الفني |
تقدير الموقف، وبناء العلاقات، واختيار التوقيت والرد المناسب | الرصد الأولي وصياغة المسودات | العلاقات العامة والتواصل |
فهم احتياج العميل، وضبط نطاق العمل، وحسم الخلافات | محاضر الاجتماعات وتوزيع المهام والمتابعة | إدارة الحسابات والمشاريع |
توزيع الميزانية، وتصميم التجارب، وتقييم النتائج | إعداد البدائل وبعض أعمال التشغيل والتحسين | التخطيط وشراء الإعلانات |
لكن لهذا التداخل وجه آخر؛ فقد تتعامل بعض الجهات معه بوصفه فرصة لجمع عدة وظائف في موظف واحد، وتطالبه بالكتابة والتصميم والتخطيط والتحليل، من دون أن تمنحه خبرة كافية أو وقتًا للمراجعة. وعندها تتسع قائمة ما يستطيع الفريق تسليمه، بينما تضعف قدرته على تقييمه. فالسهولة التي تمنحها الأداة قد تخفي نقص المعرفة إلى أن يظهر الخطأ أمام العميل أو الجمهور.
ومن هنا نفهم تراجع الجودة الذي قد يصاحب هذه المرحلة. فالذكاء الاصطناعي يتيح سرعة أكبر، والإدارة التي تحوّل هذا الوقت إلى مطالب إنتاج إضافية تستنزف فرصة التحسين. يكمل الموظف جدول النشر، ثم ينتقل إلى الجدول التالي، ويصبح البحث عن فكرة جيدة عبئًا على سير العمل. وفي قطاع يعاني أصلًا من غياب القياس، قد تمر هذه الزيادة في الإنتاج بوصفها نجاحًا، مع أنها لم تضف شيئًا إلى علاقة الجهة بجمهورها.
أما الوكالة التي تستفيد من التحول، فستجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من سير العمل، وتربط التخطيط والتنفيذ بنتائج التجارب. ويقتضي ذلك تنظيم بيانات العملاء، وتدريب الفريق على استخدامها، وتحديد مسؤولية مراجعة المخرجات. وستتاح لفرق صغيرة فرصة منافسة مؤسسات أكبر حين تجمع هذه القدرة مع معرفة السوق السعودي؛ فحجم الوكالة يفقد جزءًا من أهميته أمام قدرتها على التعلم من كل مشروع وتحسين المشروع الذي يليه.
وهذا يغيّر أيضًا موقع الموظف داخل السوق. فإجادة مهمة واحدة متكررة تمنحه حماية أقل مما كانت تمنحه سابقًا، بينما تزداد أهمية قدرته على توجيه الأداة، وفهم البيانات، ومراجعة النتيجة بخبرة مهنية. وتنسجم هذه القراءة مع نتائج PwC لعام 2026، التي تشير إلى أن المهارات في الوظائف الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي تتغير بأكثر من ضعف وتيرة تغيرها في الوظائف الأقل تعرضًا.
ونجد في الصفحة السادسة من تقرير حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار، الصادر بالشراكة بين الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ومجموعة أكسفورد للأعمال، مقارنة تضع السوق السعودي بين أسرع أسواق مجموعة العشرين نموًا في الإعلام والترفيه. وتشمل المقارنة إيرادات الإعلان وإنفاق المستهلكين على القطاع، ولذلك تمنحنا صورة عن محيط التسويق والتواصل الأوسع.
السوق السعودي مقارنة بأسواق مختارة في الإعلام والترفيه
النمو السنوي المركب المتوقع 2024–2029 | الإيرادات المتوقعة في 2029 بالدولار | السوق |
8.2% | نحو 5–10 مليارات | السعودية |
نحو 3.8% | نحو تريليون | الولايات المتحدة |
نحو 6.1% | نحو 200–300 مليار | الصين |
نحو 5.1% | نحو 100 مليار | المملكة المتحدة |
نحو 7.8% | نحو 20–30 مليارًا | الهند |
المصدر: التقرير القطاعي المنشور في 2026، ص 6، استنادًا إلى الهيئة العامة لتنظيم الإعلام وأومديا وPwC. أرقام الإيرادات ونسب نمو الدول الأخرى قراءات تقريبية من الرسم البياني؛ أما نسبة السعودية، 8.2%، فوردت صراحة في النص. تمثل الإيرادات مجموع الإعلان وإنفاق المستهلكين على الإعلام والترفيه، وجميع قيم 2029 توقعات وليست نتائج فعلية. ويقدّر المصدر نمو القطاع عالميًا بنسبة 3.7% سنويًا خلال الفترة نفسها. تقرير حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار.
لكن هذه التوقعات الممتدة إلى 2029 لا تعني أن الإنفاق سيرتفع بالوتيرة نفسها كل سنة. ونطرح هنا احتمالًا: ربما تكون 2026 أول سنة ينخفض فيها الإنفاق على التسويق والتواصل في السعودية ضمن موجة التوسع الأخيرة، أو يستمر في الارتفاع بوتيرة أبطأ من السنوات الماضية. فقد يدفع اجتماع مراجعة الأولويات وانخفاض كلفة بعض الأعمال بالذكاء الاصطناعي إلى الحد من الزيادة التي اعتاد عليها السوق. هذه قراءتنا المحتملة لمسار الإنفاق، وليست نتيجة يثبتها التقرير أو حصيلة سنوية مكتملة لعام 2026.
على جانب هذا التحول، نرى في منصات مثل سياق نبطي، والإذاعة والتلفاز، والناي والراعي، وتصير، أمثلة على مساحة محتوى أقرب إلى الناس وأخف من اللغة المؤسسية. وقد يمنح وضوح ذائقتها واهتمامها بموضوعاتها جودة تفتقدها جهة كبيرة منشغلة بسرعة النشر. فالجمهور يتعاطى مع ما يشبهه، ومع صوت يعرف لماذا يتحدث إليه.
قد تدفع هذه العلاقة وكالات التسويق مستقبلًا إلى الشراكة مع بعض هذه المنصات أو الاستحواذ عليها، لتصل إلى جمهور تجمعه بها ثقة سابقة. وهو احتمال يضيف إلى السوق شكلًا من الإعلان داخل المحتوى، تتوقف قيمته على قدرة المنصة على حفظ شخصيتها ووضوح علاقتها بالمعلن.
يحتاج هذا التحول إلى معالجة فجوة قياس الأثر. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع التحليل، لكنه لا يعوض غياب البيانات المناسبة أو سوء اختيار المؤشر. وتظهر هنا فرصة أمام الوكالات لتطوير قدراتها في القياس، أو العمل مع جهات متخصصة تمتلك معرفة محلية، بما يساعدها على ربط الإنفاق بما يحدث عند الجمهور.
من هنا نرى أن مستقبل القطاع سيكون للوكالات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي والاعتماد على البيانات في طريقة عملها وقراراتها. فهذه القدرة تمنحها أساسًا لتحسين الخدمة، وتفسير أسعارها، وتوجيه العميل إلى ما يحتاج إليه فعلًا. وبقدر نجاحها في ذلك، يتقدم السوق نحو تصحيح يربط الإنفاق بقيمة العمل وأثره.
