بلكونة - الشعار

الحقيقة خلف موجة الاستحواذات والاندماجات بين وكالات التسويق

ما نراه اليوم من دمج للوكالات، وتسريح للموظفين، واستحواذات كبرى، ليس مجرد تغيير في الهياكل التنظيمية، بقدر ما هو محاولة لتدارك ترهل مالي وإداري تراكم لسنوات. فهل انتهت حقبة وكالات التسويق كما نعرفها؟

الحقيقة خلف موجة الاستحواذات والاندماجات بين وكالات التسويق

تعيش صناعة التسويق اليوم مرحلة «الصحوة المؤلمة» بعد سنوات من التضخم غير المدروس. ما نراه من دمج للوكالات، وتسريح للموظفين، واستحواذات كبرى، ليس مجرد تغيير في الهياكل التنظيمية، بقدر ما هو محاولة لتدارك ترهل مالي وإداري تراكم لسنوات. السوق اليوم يطرد «الزوائد» ليركز على الكيانات التي تملك التقنية والبيانات، بعيدًا عن بريق الأسماء التي تتكئ على إرثها التاريخي وتعول عليه وحده لإقناع المعلنين.

زلزال الاندماجات العالمية

يمثل اندماج «أومنيكوم» و«آي بي جي» التحول الأبرز في عام 2025، حيث تهدف هذه الخطوة إلى بناء «ترسانة بيانات» موحدة. هذه الاندماجات تأتي كاستجابة مباشرة لضغوط المساهمين والمستثمرين الذين يطالبون برفع هوامش الربحية من خلال تقليص النفقات الإدارية المتكررة. عندما تندمج وكالات عريقة مثل «دي دي بي» و«إف سي بي» لتصبح وحدات داخل كيان أكبر، فإن الهدف الحقيقي هو توحيد أنظمة التشغيل والبيانات وتوفير مئات الملايين من الدولارات التي كانت تُنفق على إدارات مستقلة لا تخدم النتيجة النهائية للعميل.

بلكونة

في الوقت ذاته، يعكس دمج «غراي» تحت إدارة «أوجلفي» في مايو 2025 رغبة مجموعة «دبليو بي بي» في تبسيط رحلة العميل. المعلن اليوم لا يملك الرفاهية ولا الوقت لإدارة علاقات مع خمس وكالات مختلفة تحت مظلة واحدة، ويبحث عن «شريك استراتيجي» واحد يقدم حلولاً متكاملة دون الدخول في دهاليز البيروقراطية التي ميزت الشركات القابضة لعقود.

بلكونة

المشهد الإقليمي

يتجسد التوجه نحو التخصص الرقمي العميق في استحواذ مجموعة «ببليسيس» على وكالة «تشين رياكشن» (Chain Reaction). بدأت هذه الوكالة من الأردن وتوسعت بقوة في الإمارات والسعودية، واشتهرت بكونها رائدة في مجالات تحسين محركات البحث (SEO) والتسويق القائم على الأداء (Performance Marketing). استحواذ «ببليسيس» عليها لم يكن بهدف التوسع الجغرافي فحسب، وإنما لدمج قدراتها التقنية في تحليل البيانات مع منصة «إبسيلون» (Epsilon) التابعة للمجموعة، مما يمنح «ببليسيس» تفوقًا في تقديم حملات تسويقية تعتمد على «بيانات الطرف الأول» التي تعد عملة لا تقدر بثمن في عالم التسويق.

على الجانب الآخر، تبرز «إس آر إم جي ميديا سوليوشنز» (SRMG SMS) كذراع تجاري وتحولي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام. دورها يتجاوز بيع المساحات الإعلانية في منصات مثل «الشرق» و«عرب نيوز»، فهي تعمل كبوابة موحدة للمعلنين للوصول إلى حلول إبداعية وإنتاجية وبياناتية تحت سقف واحد. تسعى (SMS) إلى تحقيق «التكامل العمودي»، حيث تتحكم في كامل سلسلة القيمة؛ من صناعة المحتوى إلى توزيعه وتحليل أثره، وهو ما ينسجم مع رغبة العلامات التجارية الكبرى في المملكة في التعامل مع كيانات وطنية تملك القدرة على التنفيذ بمعايير عالمية وفهم محلي دقيق.

حين يفيض السوق عن حاجته

تمر الصناعة حاليًا بعملية «تصفية» ضرورية لتبعات عامي 2021 و2022، حين اندفعت الوكالات لتوظيف آلاف الأشخاص بناءً على نمو مؤقت في التجارة الإلكترونية والإنفاق الرقمي خلال الجائحة. هذا التوسع أدى إلى وجود «ترهل وظيفي» لم يعد يتناسب مع واقع الميزانيات الحالية. مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، أصبح الاقتراض لتمويل عمليات التوسع مكلف للغاية، مما أجبر المجموعات الكبرى على تقليص أحجامها والتركيز على الكفاءة التشغيلية لضمان بقاء تدفقاتها النقدية في المنطقة الآمنة.

علاوة على ذلك، بدأت العديد من الشركات الكبرى في بناء فرق تسويق داخلية (In-house) للقيام بالمهام اليومية التي كانت تسند للوكالات، مثل إدارة حسابات التواصل الاجتماعي والتصميم البسيط. هذا التوجه سحب بساط الإيرادات السهلة من تحت أقدام الوكالات المتوسطة، ووضعها أمام خيارين: إما الاندماج مع كيانات أكبر لتقليل التكاليف، أو مواجهة خطر الخروج من السوق نتيجة انكماش الطلب على الخدمات التقليدية.

دور الذكاء الاصطناعي

جاءت تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُنتج محتوى (Generative AI) لتنهي جدوى نموذج «بيع الوقت» الذي اعتمدت عليه الوكالات لعقود. المهام التي كانت تتطلب جيشًا من الموظفين ومنسقي الحملات، مثل كتابة مئات النصوص الإعلانية وتكييف التصاميم لمختلف المنصات، أصبحت الآن تتم بضغطة زر. هذا التحول التقني هو السبب الجذري وراء تقليص الحجم (Downsizing) الذي تشهده معظم الوكالات؛ فهي لم تعد بحاجة لعدد كبير من الموظفين في الوظائف التنفيذية، بل تحتاج لعدد محدود من الخبراء القادرين على توجيه هذه التقنيات.

تستثمر المجموعات المندمجة حاليًا في بناء منصات ذكاء اصطناعي خاصة بها، تهدف من خلالها إلى تقديم نتائج تجارية ملموسة للعملاء بدلاً من مجرد تقارير عن ساعات العمل. الاندماجات الكبرى تمنح هذه المجموعات السيولة المالية اللازمة لتطوير هذه التقنيات التي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وهو أمر لا تستطيعه الوكالات المنفردة أو المتوسطة.

مستقبل خارطة التسويق

​​تتجه الخارطة نحو انقسام حاد ينهي وجود الوكالات التي تقع في «المنطقة الرمادية»، وهو استنتاج تدوّنه التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث عالمية مثل «فورستر» و«غارتنر»، وتستدل فيها على الحركة النشطة التي نراها في تحول ميزانيات التسويق من الإنفاق الإبداعي إلى الاستثمار في الأنظمة.

تتجه الخارطة اليوم نحو انقسام حاد ينهي وجود الوكالات العالقة في «المنطقة الرمادية»، وهو واقع تؤكده تقارير مؤسسات مثل «فورستر» (Forrester) التي تتوقع أن تفقد الوكالات التقليدية ربع حصتها السوقية بحلول عام 2026 لصالح شركات الاستشارات التقنية. وتعزز أبحاث «غارتنر» (Gartner) هذه الرؤية بإظهار أن الإنفاق على الأنظمة والتقنيات بات يستحوذ على قرابة 30% من ميزانيات التسويق، متجاوزاً لأول مرة الإنفاق على الوكالات الخارجية. يعكس هذا التحول توجه الميزانيات نحو الاستثمار في أنظمة تقنية تضمن للعلامة التجارية دقة القياس والتحكم الكامل في رحلة العميل، بدلاً من استنزافها في خدمات إبداعية عابرة.

أولاً: الكيانات العابرة للقارات وحرب تكتل الناشرين 

تتحول المجموعات الضخمة الناتجة عن الاندماجات إلى ما يمكن تسميته «صناديق تحوط إعلامية»، حيث تعتمد في ربحيتها على نموذج «تجارة الوسائط بصفة المالك» (Principal Media). في هذا النموذج، تشتري الوكالة المساحات الإعلانية بالجملة من المنصات بمالها الخاص وبخصومات هائلة، ثم تعيد بيعها للعملاء بهامش ربح.

هذا التوجه هو رد فعل دفاعي على تزايد قوة «تكتل الناشرين»؛ ففي حين أن جوجل وميتا وتيك توك يسيطرون على القواعد التقنية فيما يعرف بـ «الحدائق المغلقة» (Walled Gardens)، فإن الوكالات العملاقة تحاول عبر حجمها الضخم بناء تكتل مضاد يملك القوة التفاوضية لخفض الأسعار. بدون هذا الاندماج، ستجد الوكالات نفسها مجرد واجهة برمجية لمنصات النشر التي تسعى لتجاوز الوكالة والتعامل مباشرة مع المعلن. السيطرة على سعر الوسيط هي الورقة الأخيرة التي تلعبها هذه الكيانات لضمان مكانها في سلسلة القيمة.

ثانياً: الوكالات الاستشارية وبناء «المعنى» في الأنظمة 

أما على الطرف الآخر، فإن بقاء الوكالات الاستشارية والصغيرة يعتمد على سد الفجوة الإبداعية التي خلفها استهلاك الأنظمة. العلامات التجارية في قطاعات مثل التقنية المالية (FinTech) والتجارة الإلكترونية تحولت بالفعل إلى أنظمة تقنية بحتة تُدار بالبيانات والحملات القابلة للقياس، مما دفع الكثير منها على الاستغناء عن الوكالات التقليدية التي تكتفي بتقديم شعارات لا تنعكس على أرقام المبيعات.

تتحول الوكالة الناجحة هنا من «وكالة دعاية» إلى «وكالة هندسة تجارب». دورها لا يتوقف عند تصميم حملة، بل في تصميم هوية النظام وتجربة العميل التي تمنع تحول العلامة التجارية إلى مجرد سلعة تتنافس على السعر فقط. في عالم «الفنتك» مثلًا، الذي تتشابه فيه الخدمات التقنية، تبرز الحاجة لوكالات نخبوية تبني قصة العلامة وتصمم واجهاتها بأسلوب يربط العميل عاطفياً بالنظام التقني. هؤلاء هم معماريو المعنى الذين يدركون أن النظام التقني بدون روح إبداعية سيفشل في الاحتفاظ بالولاء على المدى الطويل.

ثالثاً: انقراض «المنطقة الوسطى» 

هذا الانقسام يعني أن الوكالات التي كانت تقدم «كل شيء لكل الناس» بمستوى متوسط هي الأكثر تضرراً. هذه الوكالات لم تعد تملك الحجم المالي لمنافسة العمالقة في «تجارة الوسائط»، ولا تملك العمق الاستشاري والتقني لمنافسة البوتيكات النخبوية في بناء تجارب الأنظمة.

الشركات التقنية والناشئة لم تعد تبحث عن «وكالة تنفذ حملات»، بل تبحث إما عن «مورد مساحات إعلانية بأرخص سعر» (العمالقة) أو «شريك يبني قيمة مضافة للنظام التقني» (المتخصصون). ومن لا يحجز لنفسه مكانًا في هذين القطبين، سيجد نفسه خارج المناقصات الكبرى، وهو ما يفسر موجة الاختفاء والاندماج التي نراها اليوم؛ حيث تحاول الوكالات المتوسطة الاحتماء بكيانات أكبر تملك السيولة والتقنية اللازمة للبقاء.

ختامًا: البقاء للأذكى

إن ما يحدث في سوق التسويق اليوم هو انتقال من «كمية الموظفين» إلى «نوعية التأثير». الاندماجات والاستحواذات ليست دليلًا على ضعف الصناعة، بل هي محاولة جادة لبناء نموذج عمل مستدام يتوافق مع سرعة التحول التقني في عام 2026. بالنسبة للمسوقين في السعودية والمنطقة، فإن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على إدارة هذا التكامل بين الفكر البشري والقدرة التقنية. لم يعد السؤال «كم حجم وكالتك؟» بل «كم تملك من البيانات والحلول التي تنعكس على مبيعات العميل؟».

الدمج - Mergers

الدمج - Mergers

اتحاد شركتين أو أكثر لهما نفس الحجم والقوة السوقية تقريباً لإنشاء كيان قانوني جديد تمامًا تحت اسم وهوية موحدة، بهدف دمج الموارد وتعزيز الكفاءة.

الاستحواذ - Acquisitions

الاستحواذ - Acquisitions

سيطرة شركة (غالباً ما تكون الأكبر) على شركة أخرى بالكامل من خلال شراء حصة الأغلبية أو كامل الأسهم، حيث تذوب الشركة المُشتراة داخل هيكل الشركة المشترية أو تظل تابعة لها.

تجارة الوسائط بصفة المالك - Principal Media

تجارة الوسائط بصفة المالك - Principal Media

نموذج تشتري فيه الوكالة المساحات الإعلانية بمالها الخاص وبأسعار الجملة، ثم تعيد بيعها للمعلنين بهامش ربح.

اقرأ المقال التالي
بلكونة - الحقيقة خلف موجة الاستحواذات والاندماجات بين وكالات التسويق